الرئيسيه

قراءة في كتاب أزمة الهوية في شمال السودان للكاتب الباقر العفيف

 

 

متاهة قوم سود ذو ثقافة بيضاء – الكاتب: الباقر العفيق

 

أولاً: مدخل عام

 

يناقش كتاب «أزمة الهوية في شمال السودان» واحدة من أكثر الإشكالات تعقيداً وإلحاحاً في التاريخ السوداني الحديث وهي إشكالية الانفصام بين الواقع الإثني الثقافي من جهة، والتمثل الرمزي للذات من جهة أخرى، يذهب الباقر العفيق إلى أن شمال السودان يعيش حالة تيه هوياتي ناتجة عن محاولة مستمرة لإنتاج ذات متخيلة تُعرف نفسها ثقافياً باعتبارها امتداداً للبياض العربي، رغم انتمائها الواقعي إلى الفضاء الإفريقي الأسود.

الكتاب لا يتعامل مع الهوية بوصفها معطى ثابتاً إنما كـ بناء تاريخي وسياسي تشكل عبر قرون من الهيمنة الرمزية والاستعلاء الثقافي وإعادة إنتاج المركز.

 

ثانياً: جوهر الأزمة – قوم سود بثقافة بيضاء

 

يرتكز تشخيص العفيق على فكرة محورية مفادها أن أزمة شمال السودان غير مقصورة في السواد بوصفه لوناً أو أصلًا إنما في إنكار هذا السواد ثقافياً ورمزياً، فالمجتمع الشمالي بحسب الكتاب تبنى منظومة قيم ومعايير ترى في العروبة والبياض الثقافي مرجعية للشرعية الاجتماعية بينما تنظر إلى الإفريقية باعتبارها مرتبة دنيا.

 

هذا التناقض أنتج:

 

-اغتراباً عن الذات التاريخية.

 

-احتقاراً مستبطناً للمكونات غير العربية.

 

-هوساً بالانتساب النسبي واللغوي والثقافي للعروبة.

 

-إعادة إنتاج عنف رمزي تجاه الهويات الأخرى داخل السودان.

 

ثالثاً: الدولة، التعليم، والدين كأدوات لإعادة إنتاج الأزمة

 

يفضح الكتاب الدور الذي لعبته الدولة السودانية الحديثة في تعميق أزمة الهوية عبر:

 

~مناهج التعليم التي مجدت الانتماء العربي الإسلامي وأقصت التاريخ الإفريقي المحلي.

 

~الخطاب الديني المؤدلج الذي جرى توظيفه لترسيخ التفوق الثقافي لا القيم الأخلاقية.

 

~النخبة الشمالية التي تحالفت مع المركز العربي الإسلامي الإقليمي بحثاً عن اعتراف خارجي يعوض هشاشة الاعتراف الداخلي.

 

وبذلك تحولت الهوية من سؤال مفتوح إلى أداة سلطة تُستخدم لتبرير الإقصاء والحروب والهيمنة.

 

رابعاً: أثر الأزمة على المشروع الوطني السوداني:

 

يرى العفيق أن فشل بناء دولة سودانية جامعة يعود في أحد جذوره الأساسية إلى هذه الأزمة الهوياتية فحين تُعرف الدولة نفسها على أساس ثقافي إقصائي يصبح الوطن نفسه ملكية رمزية لفئة دون أخرى.

 

ومن هنا:

 

-تعمقت الفجوة بين المركز والهامش.

 

-اندلعت الحروب بوصفها رداً على الإنكار لا على صراع موارد.

 

-تعذر بناء عقد اجتماعي قائم على الاعتراف المتبادل.

 

خامساً: نحو أفق للخروج من المتاهة

 

لا يطرح الكتاب حلولاً تقنية جاهزة لكنه يؤسس لأفق فكري جديد قوامه:

 

~الاعتراف الجذري بالهوية الإفريقية للسودان دون شعور بالدونية.

~تفكيك خطاب النقاء العرقي والثقافي.

~إعادة كتابة التاريخ من منظور تعددي.

~بناء هوية وطنية تقوم على المواطنة لا على النسب والثقافة.

ويرى الباقر العفيق أن مواجهة هذه الأزمة ليست مهمة الهامش وحده إنما مسؤولية أخلاقية للنخبة الشمالية نفسها عبر ممارسة نقد ذاتي شجاع.

 

خاتمة:

 

يمثل كتاب «أزمة الهوية في شمال السودان» مساهمة فكرية جريئة في تشريح أحد المسكوت عنه في الوعي السوداني، وهو ليس كتاب إدانة بقدر ما هو دعوة للتحرر من الكذب على الذات فدون مصالحة صادقة مع الحقيقة التاريخية والثقافية سيظل السودان أسيراً لمتاهة الهوية عاجزاً عن تأسيس دولة عادلة أو مشروع وطني جامع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى