تقدير موقف
جمعة حراز
لم يكن ظهور كامل إدريس رئيس وزراء حكومة. بورتسودان أمام مجلس الأمن حدثًا عابرًا في مسار الأزمة السودانية، بل شكّل منعطفًا خطيرًا في الخطاب السياسي المفترض أن يُعبّر عن تطلعات شعبٍ أنهكته الحرب، لا أن يبرر استمرارها. لقد جاء الخطاب، في مضمونه ونبرته، شيئًا نُكرًا؛ إذ انزلق من منصة دولية يُنتظر منها الحكمة والاتزان، إلى منبر اصطفافٍ فجّ وانحيازٍ مكشوف لمعسكر الحرب.
بدل أن يحمل إدريس إلى مجلس الأمن صوت الضحايا، وأوجاع المدن المحاصرة، وصرخات النازحين والمشردين، اختار أن يتحدث بلسان القوة لا بلسان الوطن، وبمنطق الغلبة لا بمنطق الدولة. فجاء خطابه أقرب إلى بيان تعبوي، يشرعن الحرب ويمنح الغطاء السياسي لجيش البرهان وتحالفه مع بقايا النظام والإسلاميين، في تجاهل صارخ لجذور الأزمة ومسؤولياتها المتراكمة.
الأخطر من مضمون الخطاب ليس فقط ما قيل، بل ما تم تجاهله عمدًا. لم يتوقف إدريس عند مسؤولية عسكرة السياسة، ولا عند فشل النخب العسكرية في حماية الانتقال المدني، ولا عند الجرائم والانتهاكات التي طالت المدنيين بلا تمييز. بدا وكأن السودان اختُزل في معسكر واحد، وكأن الوطن ملك لفئة، بينما يُقصى شعبه من معادلة الخطاب والتمثيل.
إن مجلس الأمن ليس ساحة لتصفية الحسابات الداخلية، ولا منصة لتبييض تحالفات أُنشئت على أنقاض الثورة وأحلامها. وحين يتحول الخطاب في هذا المحفل الدولي من نداء سلام إلى إعلان حرب، فإن ذلك لا يعكس قوة الموقف، بل فقر الرؤية، وعجز السياسة عن الخروج من عباءة البندقية.
لقد أخطأ كامل إدريس حين ظن أن الانحياز للعسكر يمنحه وزنًا دوليًا، لأن العالم ـ مهما اختلفت حساباته ـ لا يحترم من يتنكر لشعبه، ولا يثق بمن يبرر الخراب باسم الدولة. فالدولة لا تُبنى بالدبابات، ولا تُحمى بالتحالف مع قوى أجهضت الديمقراطية، بل تُستعاد بالعدالة، وبالانحياز الصريح للمدنيين، وبخطاب يعترف بالمأساة بدل إنكارها.
إن ما قُدِّم في مجلس الأمن لم يكن خطاب دولة، بل خطاب أزمة؛ أزمة نخبة لم تتعلم من التاريخ، ولم تدرك أن الحرب مهما طال أمدها لا تُنتج شرعية، وأن السلام وحده هو الطريق الوحيد لوطنٍ يبحث عن نفسه وسط الركام.



