
جلباب القضية
علي جعفرحامد
في الطبيعة صراعٌ بلا حقد؛ الأسد لا يطارد الغزال انتقامًا، ولا الريح تقتلع الشجر كراهيةً، ولا النار تحرق بدافع فكرة. كل ما في الطبيعة يتحرك بدافع البقاء، بميزانٍ صامت لا يعرف المبررات ولا يحتاج إلى خطابات. الصراع هناك عابر، ينتهي بانتهاء سببه، ولا يخلّف ذاكرة ثأر ولا سردية كراهية.
أما الإنسان، فقد حوّل الصراع إلى حربٍ بلا ضرورة. لم يكتفِ بالدفاع عن حياته، بل اخترع أسبابًا للقتل تتجاوز حاجته للبقاء. يقاتل باسم الأفكار، لا لأنه جائع، بل لأنه مؤمن بأن فكرته أسمى من حياة غيره. يدمّر باسم القيم، لا لأنه مُهدَّد، بل لأنه مقتنع أن الخراب طريق الخلاص. يقتل وهو مطمئن الضمير، لأنه أقنع نفسه أن الحق يقف في صفه، وأن الضحية خطأ تاريخي لا إنسانًا.
الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يبرر العنف قبل أن يمارسه، ويكتب بيانات أخلاقية بعد أن يلطخ يديه بالدم. لا تكفيه الغريزة، فيستدعي الأيديولوجيا. لا يرضيه الصراع المحدود، فيحوّله إلى حرب شاملة، ثم يطالب العالم بالتصفيق لصوته العالي. وحين تتوقف البنادق، تبدأ الحكايات؛ كل طرف يكتب تاريخه، ويغسل جرائمه بلغةٍ منمّقة، ويعلّم أطفاله كيف يكرهون باسم الذاكرة.
في الطبيعة، لا يوجد قاتل وبطل، بل دورة حياة. وفي عالم الإنسان، لا يوجد بريء تمامًا، لأن الجميع شاركوا — بالصمت، بالتبرير، أو بالهتاف. هكذا يصبح القتل مشروعًا، والخراب فضيلة، والدم رأيًا سياسيًا. وحين تتحول الحرب إلى فكرة، يصبح السلام خيانة، والعقل تهمة، والسؤال جريمة.
تلك هي المأساة: أن يكون الإنسان أذكى من أن يقتل بدافع الغريزة، وأقسى من أن يتوقف بدافع الحكمة.



