سوما المغربي تكتب: علمانية الدولة جوهر التغيير في السودان الجديد
في واحدة من أعقد اللحظات التاريخية التي يمر بها السودان، وبين ركام حرب مدمّرة أفرغت الدولة من معناها، يطلّ تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) كمشروع وطني يسعى إلى تفكيك أزمة البلاد من جذورها العميقة، كمشروعٌ يعيد تعريف الدولة السودانية من جديد، على أسس قوامها العلمانية، والمواطنة المتساوية، والعدالة، والقومية الجامعة، بوصفها المدخل الوحيد لإنهاء دوائر الصراع والانقسام.
ولعل إجازة مكتب رئاسة الوزراء عطلة رسمية لأعياد الكريسماس تمثل مؤشرًا سياسيًا بالغ الدلالة، إذ لا يمكن قراءتها كقرار إداري عابر، بل كتعبير عملي عن رؤية الدولة العلمانية التي لا تميّز بين مواطنيها على أساس الدين، وتتعامل مع التعدد الديني والثقافي بوصفه حقيقة مؤسسة للدولة، لا تهديدًا لها.
ما يميّز مشروع «تأسيس» هو تجاوزه الواعي للاصطفافات الإثنية والجهوية والعرقية التي غذّتها النخب التقليدية لعقود، واعتماده مفهوم القومية السودانية كإطار جامع، فالسودانيون، وفق هذه الرؤية، ليسوا رعايا لهوية دينية أو ثقافية مفروضة من المركز، بل مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، تجمعهم رابطة المواطنة لا غير.
بهذا المعنى، تصبح الدولة كيانًا محايدًا تجاه الانتماءات الدينية والثقافية، وتحمي الجميع دون تفضيل، وهو ما يجعل العلمانية ركيزة للوحدة الوطنية لا نقيضًا لها.
لم تأتِ العلمانية في مشروع «تأسيس» كاستيراد أيديولوجي، بل كضرورة تاريخية فرضتها التجربة السودانية نفسها، فقد أثبتت العقود الماضية أن تسييس الدين واستخدامه كأداة للسلطة، خصوصًا في ظل مشروع الحركة الإسلامية، كان المدخل الأوسع للاستبداد، والتمييز، والحروب الأهلية.
العلمانية، كما يطرحها «تأسيس»، لا تعادي الدين ولا تصادر الإيمان، بل تفصل بين قدسية المعتقد وتقلبات السلطة، وتضمن حرية العبادة، وتحمي التعدد، وتمنع احتكار الدين لصالح فئة أو جماعة، وقرار الاعتماد الرسمي بأعياد المسيحيين ليس إلا ترجمة عملية لهذا الفهم، ورسالة واضحة بأن الدولة تقف على مسافة واحدة من جميع معتقدات مواطنيها، فما ورد في دستور «تأسيس» ليس نصوصًا معزولة عن الواقع، بل خلاصة نضالات طويلة لشعوب السودان في الهامش والمركز.
الأهم من ذلك أن هذا الدستور لم يُصَغ في غرف مغلقة، بل جاء نتيجة توافق قوى ناضلت طويلًا ضد هيمنة الحزب الواحد، والتسلط العسكري، والاستغلال الديني، ما يمنحه شرعية نابعة من كونه مشروع تحول ديمقراطي حقيقي على النقيض من المشاريع الانقلابية والطائفية التي حكمت السودان لعقود، لا يطرح «تأسيس» نفسه كسلطة مؤقتة أو بديل قسري، بل كمشروع تحول ديمقراطي جذري يعيد بناء الدولة من القاعدة إلى القمة، ويؤسس لدستور دائم، وانتخابات حرة، وعدالة انتقالية تنصف الضحايا وتفتح الطريق لمصالحة وطنية حقيقية، ليكون السودان الجديد دولة بلا تمييز، دولة علمانية، عادلة، تحترم تنوعها، وتحوّل اختلافاتها إلى مصدر قوة.
سوما المغربي
ديسمبر ٢٠٢٥



