شيخ المنطقة البشر محمود يحكي عن تاريخ المنطقة من مرعى إلى معبر دولي يهوي إليه الناس
الموقع الاستراتيجي للمنطقة
إهمالٌ طويل طوت صفحاته حكومة الولاية بإعادة الترتيب
تعايش مع دينكا ملوال تحدّى نقاط الترسيم وقرار الانفصال ووحّد الجميع في المصالح!
الشيخ البشر: ثلاث «بجعات» حسمت للخواجة التركي الحدود في زيارة للناظر مادبو
سماحة: الأشاوس
وحدة سماحة الإدارية بمحلية بحر العرب يوافق اسمها جوهر القاطنين فيها، ففيها تجد سماحة التعامل والتعايش بين شعوب شتى جمعتهم رقعة صغيرة جاذبة للعيش والنفع، وصنعت نسيجًا قويًا صمد في وجه العواصف المختلفة.
سماحة منطقة استراتيجية؛ لأنها تمثل عمقًا دوليًا لدولة جارة خرجت من رحم السودان الكبير، فباتت اليوم معبرًا دوليًا حافظ على حسن التواصل لما أحدثه الانفصال من واقع جديد.
فرغم جمال المنطقة في أطرافها المتعددة، إلا أن الأنظمة المتعاقبة لم تضع فيها طوبة واحدة لبناء مرفق أو حتى منزل واحد؛ بيوتٌ من القش، وكذلك المؤسسات، اسمٌ كبير وموقع استراتيجي، لكنه غارق في التخلف البنيوي.
في نوفمبر الماضي، كانت إرادة الحكومة الولائية في شرق دارفور أقوى للوقوف على حالة الإهمال التي لازمت المنطقة، فكانت التزامات قاطعة من الميدان أطلقتها قيادة الولاية لوضع المنطقة في وضعها الطبيعي كمدينة جاذبة لا تغفلها الخدمات، ويبدأ مشوار الإصلاح بالتخطيط والبناء.
وفي رحلة مراجعات تشرفنا بأن نكون بمعية وزير البنى التحتية المكلف المهندس البشير الشريف، ومدير عام الأراضي بالولاية المهندس محمد نور، في زيارة ما بعد الوعود التي أطلقها والي الولاية محمد إدريس خاطر، لتفقد المشروعات التي بدأت.
وقفنا على إعادة تخطيط سوق الرقيبات، وهناك وجدنا رغبة وتدافعًا كبيرين من أصحاب المصلحة لتقنين حيازاتهم حتى يكون سوقًا ثابتًا.
محطات عديدة أحصيناها في رحلة العودة:
بدأنا من الرقيبات تمارس حيث توجد حفيرة، مرورًا بالكوبو حيث دونكي واحدة، تلتها حفيرة أبو قميلات، ثم نامس والملم الدوال، حيث تتجمع العربات المسافرة في استراحة العبور، لتحل بعدها محطة النوقو، ثم الكرسي، وفي مسافة ليست بالطويلة تجد منطقة النرقا وأم ضوبان، قبل أن تصل عاصمة محلية بحر العرب مدينة أبو مطارق.
وفي اتجاه عاصمة الولاية الضعين يبدأ مشوار العودة بمنطقة الشرايا، ثم الجويقين، بوط الشطية حيث مساحات غير مأهولة بالسكان، ثم محطة تبلدية، وبواط الخيل آخر محطات الوصول إلى الضعين من محلية بحر العرب.
56 كيلومترًا هي المسافة الفاصلة بين حاضرة الولاية مدينة الضعين ورئاسة محلية بحر العرب الحدودية،
أما مسافة مشوار رحلة العودة من وحدة سماحة الإدارية في الحدود مع جنوب السودان إلى الضعين فتبلغ 203 كيلومترات.
نشأة سماحة
تعود نشأة منطقة سماحة إلى كونها مرعىً ومصيفًا موسميًا للرعاة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى تجمع سكاني وسوق حدودي. ويروي شيخ المنطقة الشيخ البشر محمود نعمان احد أعيان الرزيقات أن المنطقة عُرفت في بداياتها باسم «سفاهة»، نسبةً إلى اعتقاد سائد آنذاك بأن بعض المؤسسين يضيعون وقتهم بين الصيد وصناعة أدواته، قبل أن يُغيَّر الاسم إلى «سماحة» لجمال المكان وطبيعته.
الرقيبات الثلاث: الجغرافيا ومسارات الرعاة
يقول الشيخ البشر إن الرقيبات مأخوذة من كلمة «رقبة»، وهي المنخفضات الصالحة للرعي التي تحتفظ بمياه الخريف لفترات طويلة، والرقيبات ثلاث:
أولها رقيبة منضلا،
والثانية رقيبة الدواس،
أما الثالثة فهي رقيبة هياف.
وشُبِّهت هذه الرقبات برقبة الجمل المقوسة من حيث الانخفاض والارتفاع، وكانت محطات رئيسية في رحلة الرعاة من الشمال إلى الجنوب، وأسهمت في تحديد مسارات الاستقرار ونشوء الأسواق.
الرحلة مع الإدارة التركية وترسيم الحدود
يروي الشيخ البشر أن الخواجة التركي، أثناء زيارته للناظر مادبو، شاهد ثلاثة طيور بجعة تحلق في السماء، وسأل عن بقية الطيور في إشارة رمزية لتحديد حدود الرزيقات جنوبًا. وعلى إثر ذلك، تابع اثنان من أعيان الرزيقات، يعقوب ود بكورة وعليو أبو إيدام، حركة الطيور باتجاه منطقة تماقس، مرورًا بالكوبو والبليلة، حتى وصلوا إلى رقيبات منضلا التي سُمِّيت لاحقًا رقيبات «الكر»، حيث تُحقن الأبقار غربًا.
وفي منطقة هياف وجدوا البحر، واستقرار أبو دلدوم ووالده دمك، الذي كان يصنع أدوات الصيد مثل الكوكاب والمرتي لصيد الحوت والتمساح.
التعايش الاجتماعي والتداخل القبلي
يؤكد الشيخ البشر أن التعايش بين الرزيقات ودينكا ملوال كان مميزًا وما زال قائمًا، حيث كانت الديات تُدفع وفق الأعراف المتبادلة؛ فإذا قُتل شخص من الرزيقات في الجنوب دُفعت ديته، والعكس صحيح. كما شهدت المنطقة تصاهرًا وتداخلًا قبليًا واسعًا، وسكنتها قبائل عربية وغير عربية لطبيعتها الجاذبة، مما جعل سماحة منطقة تداخل اجتماعي وثقافي بامتياز.
نشأة الأسواق وترحالها حتى الاستقرار ..
بدأ أول سوق بحسب الشيخ البشر في منطقة جبر، وأسسه الراحل خالد أبو حجيل، ثم تنقل السوق بسبب الأحداث الأمنية:
انتقل إلى رقبة الكر،
ثم إلى سماحة الدبة،
ثم إلى دحيل أبكر غربًا.
وفي عام 2014، وبعد أحداث أمنية متكررة، تم ترحيل السوق مجددًا، حيث توجه الشيخ البشر وحده إلى الرقيبات متحسبًا من الألغام، حتى وصل إلى دحيل «قدوم»، وهناك كتب على تبلدية صغيرة: «سوق سماحة».
وفي عام 2017، وعند انتقال السوق إلى رقبة الكر، وُجد لغم مضاد للدبابات وتم تفجيره. وبعد هذه المراحل، تم تعيين الشيخ البشر محمود نعمان شيخًا للمنطقة تقديرًا لصبره ودوره، مع الإشارة إلى دور أبناء أبو حامد يوسف في هذه المسيرة.
سماحة: الموقع والأهمية الاستراتيجية..
تحد سماحة شرقًا منطقة كلما، وغربًا المريسة البرد على البحر، وجنوبًا جنوب السودان، وشمالًا بحر العرب. وقد أصبحت اليوم معبرًا حدوديًا مهمًا وسوقًا دوليًا يقصده الناس من الشمال والجنوب لإدارة شؤونهم الاقتصادية والاجتماعية.
في الحلقة القادمة نواصل سرد وقائع رحلة الشتاء في 12 يومًا، وقفنا خلالها على تعليم الرحل، ومساعي إعادة مستقبل الأجيال من مدرسة فصولها الأشجار، يفترشون الأرض، ومعاناة ساعتين من الوقت يقطعها اليافعون إلى مقر المدرسة، ومحطات أخرى، وحكايات ما بعد تخطيط سوق المدينة، وقصص مع ميري وأجاي بلهجة الدينكا المحلية مع شيخ ا
منطقة منطقة سماحة .



