الرئيسيهسليمان ابكر سليمانمقالات

سليمان أبكر سليمان يكتب: العصبية سلاح العاجزين

أوراق الأيام

العصبية سلاح العاجزين

عند خروج المستعمر من السودان، ما أول فكرة زُرعت؟
العصبية.
لماذا يدافع بعض أبناء الهامش عن دولة لم تعترف بإنسانيتهم؟
ولماذا لم تضع لهم مكانة خاصة في الدولة؟
ولماذا سُحبت منهم الأوراق الثبوتية؟
اليوم نذهب خطوة أعمق إلى جذر الأزمة، لأن الوعي الحقيقي لا يكتفي بوصف الألم، بل بتفتيش الجرح حتى يتم علاجه.
من الذي رفع علم السودان وتمّ تكوين وإنشاء دولة 1956؟
ومن الذي صاغها؟
ومن الذي أُبعد عنها منذ اللحظة الأولى؟
هنا مربط الفرس، وهنا بدأت العصبية بين الناس، والتفرقة بين الشمال والجنوب والغرب والشرق.
فما بعد الاستقلال لم تكن الدولة وطنًا جامعًا، بل كانت تُدار باعتبارها غنيمة سياسية.
غنيمة ورثتها نخب محددة في المركز، تنتمي إلى دوائر اجتماعية وثقافية بعينها، تتشابه في اللغة والعرق والمصالح.
لم يكن مشروع 1956 مشروع “تحرر وطني” بالمعنى العميق، بل كان انتقالًا للسلطة من المستعمر إلى نخبة محلية أعادت إنتاج الاستعمار بأدوات سودانية.
حتى الوظائف، والتعليم، والجيش، والخدمة المدنية، كلها صُمِّمت لتخدم المركز، وتُدار بعقلية الإقصاء لا الشراكة.
وفي تقديري، ومن المرجّح، عند إعلان الاستقلال لم يكن أبناء دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، والشرق، والجنوب شركاء حقيقيين في صياغة الدولة.
لم تُناقَش قضاياهم في الدستور، ولم تُراعَ هوياتهم وثقافاتهم، ولم تُعالَج مظالمهم التاريخية.
ولم يُعترف بهم كقوة سياسية واجتماعية متكافئة، بل كانوا حضورًا جغرافيًا فقط، لا حضورًا سياسيًا ولا قرارًا سياديًا.
هنا تكمن الخطيئة الكبرى، ولم يُدركوا حتى الآن هذه الأخطاء، لأنهم يعتمدون على العصبية المفرطة، والعصبية سلاح العاجزين.
فالدولة التي تُؤسَّس دون أغلبية شعبها لا يمكن أن تكون عادلة.
لماذا الهوية كسلاح إقصاء؟
بدلًا من بناء هوية وطنية جامعة، فُرض نموذج واحد للهوية:
أنت سوداني، يكفي.
لكن إن كنت من الغرب أو الشرق أو الجنوب، فذلك قمة التعصّب.
وكل من خرج عن هذا النموذج وُصِف بالمتمرد وغير المطيع.
وهكذا تحولت الهوية من مساحة للتنوع إلى أداة للفرز السياسي والاجتماعي، وأصبح الانتماء مشروطًا بالتشبه بالمركز أو الخضوع له.
دائمًا كانت دولة 56 تحتاج إلى أبناء الهامش في الآتي:
عندما احتاجت جنودًا للحروب
عندما احتاجت ضرائب وموارد
عندما أرادت فرض السلطة بالقوة
أما التنمية، والصحة، والتعليم، والبنية التحتية، والعدالة،
فكانت دائمًا وعودًا مؤجلة، أو شعارات انتخابية بلا مضمون.
الهامش لم يكن شريكًا في السلام، بل وقودًا للصراع.
وإذا لم تُترك العصبية التي سيطرت على عقول كثير من أبناء الهامش، فلن تنتهي الحرب، ولن يأتي سلام قريب، إلا إذا تذوّق الجميع ويلات الحرب.
لماذا يدافع البعض عن دولة أقصتهم؟
لأن هذه الدولة لم تكتفِ بالقمع العسكري، بل صنعت قمعًا ذهنيًا:
إعادة كتابة التاريخ لصالح المركز
تخويف الناس من أي بديل حقيقي
ربط الظلم بالاستقرار، والعدالة بالفوضى
وبهذا الشكل نشأ جيل يرى في جلاده حامي الوطن، وفي مطالب حقوقه “مؤامرة”.
لا إصلاح دون اعتراف، ولا سلام
إلا بالتساوي في ويلات الحرب، أو سلام بقوة السلاح.
هذه هي الحقيقة التي يجب مواجهتها:
دولة 1956 فشلت لأنها لم تعترف بكل السودانيين منذ البداية.
وأي حديث عن إصلاح، أو وحدة، أو استقرار، دون تفكيك هذا الأساس المختل، هو حديث بلا معنى.
الطريق إلى وطن جديد يبدأ بـ:
الاعتراف
تأسيس جيش بعيد عن السياسيين
إبعاد الأحزاب القديمة
اعتراف الأحزاب بالجريمة السياسية
الاعتراف بحقوق الهامش
وإعادة تعريف الدولة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى