مجلس السلام برعاية ترمب ..ما بين هندسة التوازنات الدولية وفرص وقف حرب السودان
بعد مهلة واشنطن ورسائل الجدية
تقرير : سوما المغربي
في لحظة دولية مثقلة بالحروب ومتعبة من استدامة النزاعات، عاد مفهوم “السلام” إلى واجهة الخطاب الأمريكي بقوة، مع إعلان واشنطن إطلاق ما سُمّي بـ«مجلس السلام» برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بالتزامن مع تأكيدات رسمية بأن السلام لم يعد شعارًا انتخابيًا، بل مسارًا عمليًا قيد التشكّل.، وأنا بالنسبة للسودان، الذي أنهكته الحرب وتداخلت أزمته مع الحسابات الإقليمية والدولية، ينتظر الكثيرين أن يصبح السلام في السودان ممكناً وواقعياً في ظل هذه المقاربة الجديدة والتغيرات السريعة.
مهلة واشنطن ورسائل الجدية..
بعد انتهاء مهلة «الرباعية»، قررت الإدارة الأمريكية منح مهلة إضافية لا تتجاوز 20 يناير، وهو اليوم الذي يسبق تنصيب ترمب، لبدء عملية سلام السودان، هذا التمديد القصير، وفق مراقبين، لا يعكس تردّدًا بقدر ما يحمل رسالة ضغط وجدية، مفادها أن ملف السودان بات حاضرًا على طاولة القرار الأمريكي ضمن تصور أوسع لإدارة النزاعات لا لإدارتها مؤقتًا، تزامن ذلك مع احتفاء واشنطن بذكريات سياسية داخلية، أعاد خلالها ترمب التأكيد على وعود حملته الانتخابية بوقف الحروب الممتدة في العالم، معتبرًا أن كلفة الاستنزاف تفوق مكاسب الهيمنة التقليدية.
فلسفة ترمب قوة أولًا ثم تفاوض..
في خطاب ذكرى عام 2026، قدّم ترمب ملامح رؤيته بوضوح «السلام عبر القوة»، فهو يرى أن الردع العسكري والضغط السياسي يمنعان الحروب الطويلة، مع تقليص الانخراط العسكري المباشر وتفضيل الوساطات والاتفاقات المشروطة التي تخدم المصالح الأمريكية. السلام، وفق هذا المنظور، لا يعني التنازل، بل التفاوض من موقع قوة بعد تأمين الأمن القومي.
في المقابل، انتقدت قوى معارضة ومنظمات سلام هذه المقاربة، معتبرة أنها قد تعيد إنتاج التوتر بدل معالجته، داعية إلى دبلوماسية جماعية أوسع وأقل أحادية وقد تباينت بعض الآراء العالمية العامة تجاه المجلس بالنسبة إلى إلياف ليبليش، أستاذ القانون الدولي في جامعة تل أبيب فإن الأمر واضح: “الميثاق يُعد تحديا واضحا للأمم المتحدة وعلامة على عدم الثقة في هذه المنظمة”، كما قال في مقابلة مع صحيفة “تاتس” الألمانية اليومية.
ما هو مجلس السلام؟
بحسب الميثاق التأسيسي، يهدف «مجلس السلام» إلى «تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد، وضمان السلام الدائم» في المناطق المتضررة من النزاعات أو المهددة بها، يمنح الميثاق رئيس المجلس، دونالد ترمب بصفته رئيسًا مؤسسًا، صلاحيات واسعة، من دعوة الأعضاء إلى المصادقة النهائية على القرارات.
ورغم أن الفكرة طُرحت أولًا للإشراف على السلام وإعادة الإعمار في غزة بقرار أممي سابق، فإن الصيغة الحالية للمجلس توسّعت لتصبح كيانًا مستقلًا لا يقتصر على نزاع بعينه، ما فتح باب الجدل حول علاقته بالأمم المتحدة وحدود تفويضه.
العضوية والتوازنات الدولية
تشير التقارير إلى توجيه دعوات لنحو 60 دولة، مع قبول دول مثل المغرب والإمارات والبحرين، وتردد أو رفض دول أخرى أبرزها فرنسا. وتُمنح العضوية لثلاث سنوات قابلة للتمديد، بينما تحتفظ الدول الممولة بأكثر من مليار دولار بموقع دائم نسبيًا، ما يعكس ربط السلام بالقدرة الاقتصادية، ويرى محللون أن هذا النموذج يعكس إعادة هندسة للتوازنات الدولية، حيث يصبح التمويل والنفوذ عنصرين حاسمين في إدارة السلام.
هل يتقاطع مجلس السلام مع السودان؟
رغم أن السودان ليس في صدارة الإعلان الأولي، إلا أن إدراجه ضمن “النماذج المحتملة” لتطبيق آليات المجلس ليس مستبعدًا. ويشير الخبير في شؤون النزاعات الإفريقية، د. محمد أمين عائد، إلى أن «السودان يمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة مجلس السلام على الانتقال من إدارة ما بعد الحرب إلى صناعة سلام مستدام يحترم الخصوصية الوطنية».
أما الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد أحمد موسى، فيرى أن « لخصوصية الوضع السوداني فإن نجاح أي مسار سلام في السودان مرهون بتوازن دقيق بين الضغط الدولي وملكية السودانيين للعملية السياسية، دون فرض وصاية مباشرة أو تدخلات قد تعيق سرعة الوصول لحلول وإنفاذ السلام ».
آراء مراقبين وخبراء ..
يرى مراقبون في العلاقات الدولية أن خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في ذكرى عام 2026 قدّم تصورًا واضحًا لما يمكن تسميته بـ«السلام القائم على القوة»، وهو نهج يراهن على الردع العسكري والضغط السياسي بوصفهما أدوات وقائية تهدف إلى منع انزلاق النزاعات نحو حروب طويلة الأمد. ووفق هذا التصور، لا تسعى واشنطن إلى إنهاء الصراعات عبر الانسحاب أو التنازلات، بل عبر إعادة ضبط موازين القوة بما يفرض شروط التفاوض لاحقًا.
ويشير خبراء إلى أن توجه الإدارة الأمريكية نحو خفض الانخراط العسكري المباشر في بعض بؤر النزاع لا يعني تراجعًا عن الدور الدولي، بل إعادة تموضع ذكية تستبدل التدخل الميداني بالوساطات السياسية والاتفاقات المشروطة التي تحفظ المصالح الأمريكية وتقلّص كلفة الحروب المفتوحة. في هذا السياق، يؤكد ترمب أن السلام، من منظوره، يبدأ بحماية الأمن القومي أولًا، ثم الانتقال إلى طاولة التفاوض من موقع قوة لا من موقع ضعف.
وعلى المستوى الدولي، يقرأ محللون دعوة ترمب المتكررة إلى تقاسم الأعباء مع الحلفاء باعتبارها محاولة لإعادة تعريف الشراكات، بحيث يصبح دعم مسارات السلام مرتبطًا بمدى التزام الحلفاء سياسيًا وماليًا وأمنيًا، لا مجرد شعارات تضامنية.
في المقابل، تحذر قوى معارضة ومنظمات سلام من أن هذا النهج قد يحمل في طياته مخاطر مضاعفة، إذ إن الإفراط في منطق الردع والضغط قد يؤدي إلى تصعيد التوتر بدل احتوائه، ويقوّض فرص الحلول المستدامة. وتدعو هذه الأطراف إلى سياسة خارجية أكثر اعتمادًا على الدبلوماسية متعددة الأطراف والحلول الجماعية، باعتبارها السبيل الأنجع لبناء سلام طويل الأمد لا تحكمه موازين القوة وحدها.
السلام كواقع ممكن ..
المعطيات الراهنة تشير إلى تحوّل نسبي في المزاج الدولي تجاه السودان، من إدارة الأزمة إلى البحث عن مخرج سياسي شامل. مجلس السلام، بقدر ما يثير من جدل، يعكس إقرارًا بأن استمرار الحرب لم يعد خيارًا مقبولًا، وأن السلام بات ضرورة استراتيجية لا أخلاقية فقط.
السودان في مفترق الطرق ..
بين حسابات القوة ومقتضيات الاستقرار، يقف السودان عند مفترق طرق تاريخي، مجلس السلام برعاية ترمب ليس عصًا سحرية، لكنه مؤشر على تحوّل في مقاربة النزاعات، وإذا ما أُحسن توظيف هذه اللحظة، مع إرادة سودانية جامعة، فإن السلام قد لا يكون وعدًا مؤجّلًا، بل واقعًا قيد التشكل، تفرضه كلفة الحرب وإرهاق الجميع من استمرارها.



