اخبارالرئيسيه

“مجلس السلام” خطة ترمب البديلة لفرض السلام ؟!

مع إعلان الولايات المتحدة، في 16 يناير 2026، إطلاق مبادرة «مجلس السلام» برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عاد إلى الواجهة ذلك الخطاب الذي لطالما تبنّاه ترمب منذ دخوله البيت الأبيض، وهو إنهاء الحروب لا إدارتها، وفرض السلام بوصفه خيارًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، لا مجرد مسار تفاوضي طويل بلا ضمانات، ومجلس السلام، وفق ما رشح من معطيات، ليس مبادرة إنسانية تقليدية، بل أداة نفوذ دولي تهدف إلى ملء فراغ ما بعد الحروب، وإعادة تشكيل مناطق الصراع وفق نموذج حكم يخضع لإشراف أمريكي مباشر أو غير مباشر.
ترمب لم يُخفِ يومًا رؤيته الصدامية تجاه النزاعات الكبرى، ففي الشرق الأوسط، قدّم نفسه كـ«صانع صفقات» لا وسيطًا محايدًا، وتحدث مرارًا عن فرض حلول نهائية في فلسطين، وإنهاء «الحروب التي لا تنتهي» في سوريا، وتقليص كلفة الانخراط الأمريكي الخارجي، وفي أوكرانيا، كرر أنه قادر على إنهاء الحرب خلال فترة وجيزة عبر الضغط السياسي والاقتصادي، بينما تعامل مع غزة باعتبارها نموذجًا لإعادة الإدارة لا فقط إعادة الإعمار. هذه المقاربة تجد تجسيدها العملي اليوم في مجلس السلام، الذي أُنيطت به مهام إدارة غزة، مع قابلية توسيع صلاحياته إلى نزاعات أخرى.
اللافت أن المجلس، بحسب التقارير، يستند إلى تفويض أممي خاص، ويضم دولًا وازنة اقتصاديًا وأمنيًا، مع اشتراطات مالية تحدد طبيعة العضوية واستمراريتها، هذا يعكس تحوّل السلام من كونه قيمة سياسية إلى كونه مشروعًا استثماريًا-أمنيًا، تُدار فيه النزاعات بعقلية الإدارة والحوكمة لا بعقلية المصالحات التاريخية وحدها.
بالنسبة للسودان، يطرح هذا النموذج أسئلة جوهرية.، فالحرب السودانية وصلت إلى حالة إنهاك شامل، داخليًا وإقليميًا، مع فشل كل المبادرات التقليدية، وتآكل أدوار الوسطاء، وانسداد أفق الحل الوطني الخالص، هنا قد يُنظر إلى مجلس السلام كخطة بديلة لفرض تسوية، شبيهة بدور «الرباعية الدولية» في ملفات سابقة، لكن بقبضة أمريكية أكثر صراحة وحسمًا.
غير أن نجاح هذا النموذج في السودان مرهون بشروط دقيقة، أولها أن لا يتحول إلى وصاية دولية تُعيد إنتاج الأزمة بأدوات جديدة، وثانيها أن يُراعي تعقيد النموذج السوداني، بتنوعه الاجتماعي والسياسي، لا اختزاله في معادلة أمنية أو اقتصادية، كما أن إنصاف الشعب السوداني يقتضي أن يكون السلام مفروضًا على أطراف الحرب لا على الضحايا، ومسنودًا بمسار مدني حقيقي يفتح الطريق أمام دولة وطنية جامعة.
مجلس السلام قد يكون فرصة تاريخية إذا استُخدم كأداة ضغط لإنهاء الحرب، لا كإطار لإدارة الفوضى او محاباة لأطراف داعمة للحرب بفرضية الوجود الجغرافي، أما إن فشل في ذلك، فلن يكون سوى اسم جديد لسلام مؤجل، يدفع السودانيون ثمنه مرة أخرى.

سوما المغربي
يناير ٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى