حافظ حمودة
أعاد تقريرٌ استقصائي لقناة “سكاي نيوز عربية” فتح أحد أخطر الملفات في الحرب السودانية الدائرة ، حيث اتهم الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية محظورة دولياً ضد المدنيين . وخلص التقرير ، الذي استند إلى مقابلات سرية وشهادات ميدانية موثقة بالفيديو ، إلى أن آثار الحروق غير التقليدية على أجساد الضحايا تتطابق – بحسب خبراء – مع إصابات ناجمة عن مواد كيميائية محرمة دوليا . وهذا التقرير تزامن مع تقرير أميركي وإعلان الولايات المتحدة فرض عقوبات على خلفية استخدام للأسلحة الكيميائية ، في وقت ترفض فيه حكومة البرهان، أي لجان تحقيق دولية مستقلة . هذا التقاطع بين التغطية الإعلامية والإجراءات الدبلوماسية يضع حكومة بورتسودان تحت المجهر الدولي ويطرح أسئلة مصيرية حول المسؤولية والشفافية ومستقبل المدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر .
استخدام الأسلحة الكيميائية يُعد جريمة دولية جسيمة بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية والقانون الدولي الإنساني . وبخلاف الأسلحة التقليدية ، فإن السلاح الكيميائي يرفع النزاع إلى مستوى مختلف من الخطورة ، فهو غير تمييزي يصيب المدنيين والمقاتلين دون تمييز ، ويخلّف آثاراً صحية وبيئية طويلة الأمد تدمر البيئة المحلية ومصادر المياه والتربة لسنوات . لذلك ، فإن مجرد الاشتباه الجدي باستخدامه يضع الدولة المعنية أمام مساءلة قانونية وشعبية غير مسبوقة .
التقرير الأميركي وفرض العقوبات يشكلان امتداداً منطقياً لتقرير “سكاي نيوز عربية” ، مما يؤشر إلى تشكل سردية دولية واحدة مفادها أن استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان أصبح ملفاً قيد التوثيق السياسي والقانوني . العقوبات الأميركية ، تحمل في طياتها دلالات خطيرة ، فهي تمهّد الطريق لعقوبات أوسع متعددة الأطراف ، وتقيّد أي محاولة مستقبلية لرفع اسم السودان من قوائم المراقبة الدولية ، وتعطيل فرص إعادة الإعمار والدعم المالي . والأخطر من ذلك أن رفض الحكومة السودانية التحقيق الدولي لا يضعف الاتهامات الموجهة إليها في المنظور الدولي وإنما يعززها ، حيث يُفسَّر هذا الرفض عادةً باعتباره قرينة على تحاشي الكشف عن الحقيقة .
سياسياً ، تضع هذه الاتهامات حكومة البرهان أمام ثلاث أزمات متزامنة وعصية . أولها أزمة شرعية دولية ، فأي حكومة تُتهم باستخدام أسلحة محرّمة تفقد تلقائياً جزءاً كبيراً من قبولها الدولي ، حتى لدى حلفائها المحتملين .
ثانيها أزمة تفاوضية ، حيث سيُستخدم هذا الملف كورقة ضغط قوية في أي مفاوضات سياسية أو عسكرية مستقبلية ، سواء داخل السودان أو مع الجهات الدولية .
ثالثها مخاطر المساءلة الشخصية ، ففي حال ثبوت المسؤولية أو التواطؤ ، قد تنتقل المسألة من عقوبات على مؤسسات الدولة إلى محاسبة فردية لقيادات عسكرية وسياسية وهم معروفون بعينهم .
من الزاوية الإنسانية ، فإن أخطر ما في هذا الملف هو الآثار المدمرة طويلة الأمد على السكان المدنيين في المناطق المتأثرة ، والتي تتجاوز الخسائر الفورية لتشمل إصابات جلدية وتنفسية مزمنة ، وارتفاعاً حاداً في معدلات السرطان وإجهاض الحوامل والتشوهات الخلقية، وانهياراً شبه كامل للقدرة المحلية على التشخيص والعلاج . وهنا تبرز المعضلة الأخلاقية والقانونية المتعلقة بمستقبل العودة الطوعية للنازحين واللاجئين إلى ديارهم . ففي ظل غياب تحقيقات مستقلة وعدم الإعلان الرسمي عن المناطق المتأثرة ، وغياب برامج التطهير البيئي أو المراقبة الصحية الدورية ، تصبح إعادة المدنيين إلى مناطق قد تكون ملوثة كيميائياً عملاً محفوفاً بمخاطر جسيمة خاصة أن هناك أمراض مجهولة ووفيات عديدة غامضة ومحيرة . أن ألعودة الطوعية أو القسرية ، إذا تم دون ضمانات كافية ، قد يُعتبر تعريضاً متعمّداً لحياة المدنيين للخطر، وهي مسؤولية تتحمل تبعاتها حكومة الأمر الواقع والمجتمع الدولي على حد سواء .
إن اتهام استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان ، كما ورد في تقرير “سكاي نيوز عربية” وتقاطعه مع التقارير الأميركية ومع العقوبات الأميركية ، يمثل نقطة تحول خطيرة في مسار الأزمة السودانية برمتها . فاستمرار الإنكار ورفض التحقيق لا يحمي حكومة البرهان من العواقب ، بل يفاقم عزلتها الدولية ، ويضاعف المخاطر على المدنيين العزل ، ويهدد مستقبل أي تسوية سياسية أو عودة آمنة للحياة الطبيعية . وفي نهاية المطاف يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً معلقاً في الهواء : من يحمي المدنيين في السودان ، إذا كانت أدوات الحرب نفسها محرّمة دولياً .
حافظ يوسف حمودة
7 نوفمبر 2026



