الرئيسيهتقارير

تقييم استراتيجي حول استغلال القوافل الإنسانية لأغراض عسكرية في جنوب كردفان .. وقائع شاهدة

المركز الأفريقي للتنمية المحلية
وحدة دراسات النزاع والأمن الإنساني يحلل في الأزمة

(…..) هكذا قدمت وثيقة منسوبة إلى جهاز المخابرات السوداني أدلة اعتراف غير قابلة للانكار

هل سيكون هناك موقف للمناحين بعد هذه الوقائع والتجاوزات الإنسانية

يشكل هذا التقييم الاستراتيجي تحليلًا للتداعيات الأمنية والإنسانية والقانونية المترتبة على تقرير منشور حديثًا يستند إلى وثيقة منسوبة إلى جهاز المخابرات السوداني . تشير الوثيقة، التي نشرها موقع UK Defence Journal and Intelligence Platform (UKNIP) ، إلى أن قافلة وُصفت علنًا بأنها إغاثية قد تم استخدامها لنقل معدات ذات طبيعة عسكرية إلى منطقة عمليات في جنوب كردفان .

أبرز النتائج :
إن الادعاء الموثق في الوثيقة، يمثل خرقاً جسيماً لمبادئ القانون الدولي الإنساني (IHL) ويشير إلى تكتيك ممنهج لاستغلال الفضاء الإنساني لتحقيق مكاسب عسكرية تكتيكية . هذا الاستغلال يهدد بانهيار الثقة بين الأطراف المتحاربة والجهات الإنسانية الدولية بشكل قد يكون طويل الأمد .

التداعيات المحتملة :

تآكل الثقة : فقدان الثقة بين المانحين والجهات المستفيدة ، مما يعيق جمع التبرعات المستقبلية .
مخاطر سلامة العاملين : تعرض العاملين في المجال الإنساني لخطر متزايد بالتصنيف كأهداف مشروعة أو التعرض لتدقيق أمني مفرط .
تقييد الوصول : احتمالية فرض قيود أمنية أشد صرامة من قبل الأطراف المتحاربة على جميع القوافل المستقبلية، مما يعيق وصول المساعدات الحيوية للمدنيين .

نبذة عن مصدر المعلومات ودرجة المصداقية :

يستند هذا التقييم بشكل أساسي على المعلومات المتاحة عبر منصة UK Defence Journal and Intelligence Platform (UKNIP) ، وهي منصة بريطانية مستقلة متخصصة في نشر الأخبار والتحليلات المتعلقة بالدفاع والأمن، تأسست في عام 2014 .
درجة المصداقية (في نطاق التغطية الدفاعية المتخصصة) : متوسطة إلى مرتفعة .
أسباب الموثوقية المنسوبة للمصدر :
التركيز التخصصي : يمنح التركيز الحصري لـ UKNIP على قطاع الدفاع والأمن عمقاً تحليلياً متخصصاً في قضايا تتعلق بالوثائق العسكرية والاستخباراتية .
الالتزام المعياري: يُفترض التزام المنصة بمعايير صحفية صارمة، مما يشير إلى عملية تحقق داخلية قبل نشر الوثائق المنسوبة .
المنهجية : تعتمد المنصة على تتبع المصادر المفتوحة (OSINT) والوثائق التي يمكن تتبعها ، مما يعزز قابليتها للمراجعة .
الاستشهاد : استشهاد منصات إعلامية وبحثية أخرى ببيانات UKNIP يعكس مستوى معيناً من القبول المؤسسي لمخرجاتها التحليلية .

السياق العسكري والإنساني : جنوب كردفان :

تُعد ولاية جنوب كردفان منطقة نزاع مزمنة ومعقدة تتسم بوجود فاعلين متعددين ، وتاريخ من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي . إن البيئة الإنسانية في الولاية هشة للغاية ، وتعتمد أعداد كبيرة من السكان المدنيين على المساعدات الإنسانية العابرة للحدود أو عبر خطوط التماس للوصول إلى الغذاء والمستلزمات الطبية الأساسية .

هشاشة البيئة الإنسانية :

الوصول الإنساني يخضع باستمرار للتفاوض المعقد بين والقوات المسلحة ، والجهات المسلحة الأخرى . هذا التعقيد يتطلب من المنظمات الإنسانية الالتزام الصارم بمبادئ الحياد وعدم التحيز لضمان بقاء ممرات الإغاثة مفتوحة وغير مستهدفة . إن أي ربط بين القوافل الإنسانية والنشاط العسكري يقوض ، من الناحية التشغيلية القدرة على التفاوض المستقبلي للحصول على ممرات آمنة ، حيث يُنظر إلى المساعدات على أنها أداة حرب وليست استجابة إنسانية بحتة .

تحليل الأبعاد الاستراتيجية :

الاستخدام المزدوج للقوافل الإنسانية كغطاء عسكري
يُشير ما ورد في الوثيقة إلى تطبيق استراتيجية ” الاستخدام المزدوج ” حيث تُستغل البنية التحتية الإنسانية ، بما تتمتع به من حصانة نسبية في مناطق النزاع ، كغطاء لنقل مواد ذات طبيعة عسكرية (مثل الذخائر ، قطع الغيار ، أو معدات الاتصال) .

التلاعب بالسرد الإعلامي واستغلال الحصانة :

إن الهدف الاستراتيجي من هذا التكتيك هو تحقيق مكسبين متعارضين :
التأمين اللوجستي : استخدام الشاحنات والشعارات الإنسانية يقلل بشكل كبير من احتمالية تعرض القافلة للاستهداف أو التفتيش المكثف من قبل القوات المعادية أو نقاط التفتيش الحكومية ، على افتراض أن الطرف الآخر سيتردد في استهداف عمل إغاثي علني .

إضفاء الشرعية على الحركة : يمكن أن تُستخدم هذه الحركة لتبرير عمليات لوجستية واسعة النطاق في مناطق كان يصعب الوصول إليها سابقاً لأسباب أمنية، مما يفتح ممرات جديدة للتحرك العسكري أو الاستخباراتي تحت غطاء إنساني .

المخاطر على قواعد الاشتباك :
إذا تم إثبات أن جهة رسمية أو شبه رسمية استغلت هذا الغطاء ، فإن ذلك يدفع بالطرف الآخر (سواء كان قوات معارضة أو قوات نظامية منافسة) إلى إعادة تقييم شاملة لجميع القوافل التي تمر في مناطق سيطرتها . هذا يزيد من احتمالية ” إطلاق النار أولاً ” في الاشتباكات المستقبلية ، حيث يصبح التمييز بين الحمولة المدنية والعسكرية أكثر صعوبة في بيئة تفتقر إلى الثقة .

التداعيات القانونية :

القانون الدولي الإنساني
يمثل استخدام الأعيان أو الأفراد المخصصين للعمل الإنساني كغطاء لأغراض عسكرية انتهاكاً مباشراً لمبادئ أساسية من القانون الدولي الإنساني ، لا سيما البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف .

مبدأ الحياد والتمييز :

القانون الدولي الإنساني يفرض على جميع الأطراف المتحاربة التمييز بين المقاتلين والمدنيين وبين الأعيان العسكرية والأعيان المدنية . المنظمات الإنسانية ، مثل الصليب الأحمر والهلال الأحمر والمنظمات المحايدة الأخرى ، تتمتع بحماية خاصة طالما أنها تعمل حصرياً وفقاً لمبادئ الحياد وعدم التحيز .

فقدان الحماية القانونية :

عندما يتم استخدام مركبة تحمل شعار الإغاثة بشكل متعمد لنقل أسلحة أو دعم عمليات عسكرية ، فإنها تفقد حمايتها القانونية كـ “هدف محايد” . ينص القانون على أن الحماية تسقط “إذا ارتكب هذا الشخص أو هذا النقل عملاً يضر بالعدو إلى جانب وظيفته الإنسانية” .

التداعيات على الأفراد :

هذا السلوك يعرض العاملين الإنسانيين لاتهامات خطيرة بالتواطؤ. حتى لو كان الأفراد غير مطلعين على الشحنة العسكرية ، فإن استخدام شعاراتهم أو مركباتهم يضع عبئاً قانونياً وأخلاقياً هائلاً على المنظمات لضمان النزاهة الكاملة لعملياتها اللوجستية ، وإلا فإنها تخاطر بتحويل العاملين الميدانيين إلى أهداف مشروعة قانونياً في نظر الخصم .

التداعيات الإنسانية .. سلامة العاملين ووصول الإغاثة

التداعيات العملية لخرق مبدأ الحياد الإنساني تتجسد بشكل مباشر في قدرة المنظمات على العمل بأمان وفعالية .

تهديد القوافل المستقبلية :

الدافع الأساسي للجهات الفاعلة في النزاع هو الحفاظ على سلامة الأرواح والوصول المستمر للإمدادات . إذا تم تأكيد أن القوافل تُستخدم كغطاء ، فإن جميع الأطراف المضيفة والمنافسة ستفترض أن أي قافلة مستقبلية قد تحمل نفس التجهيزات . هذا سيؤدي إلى :
التفتيش الشديد : زيادة عدد ونطاق عمليات التفتيش ، مما يؤدي إلى تأخيرات تسبب نقصاً في الإمدادات الحساسة للوقت (مثل الأدوية والمستلزمات الطبية) .

الرفض المطلق : في المناطق التي تسيطر عليها الفصائل غير الحكومية ، قد يتم إصدار أوامر عامة برفض دخول أي قافلة تحمل أختاماً حكومية ، أو حتى رفض دخول المنظمات المرتبطة بالرعاية الصحية ، خوفاً من التجسس أو نقل المعدات .

التأثير على المجتمعات المتضررة :
الخاسر الأكبر هو السكان المدنيون الذين يعتمدون على هذه المساعدات . إن تعطيل ممر إغاثة واحد بسبب الشبهات يمكن أن يحرم آلاف الأفراد من الغذاء الأساسي ، مما يرفع معدلات سوء التغذية والمرض . الاستغلال العسكري يجرّد العمل الإنساني من قيمته المنقذة للحياة ويحوله إلى أداة للمساومة السياسية .

الآثار على ثقة المجتمع الدولي والجهات المانحة

تعتمد المنظومة الإنسانية الدولية على نظام صارم من المساءلة والشفافية لضمان أن الموارد المخصصة لا تُحول عن أهدافها النبيلة .

رد فعل الأمم المتحدة والجهات المانحة :

التقارير التي تربط المساعدات العسكرية تؤدي إلى رد فعل سريع من المانحين الرئيسيين (مثل الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، والمفوضية الأوروبية) . هذه الجهات لديها متطلبات “عدم التحويل” صارمة .

مراجعة التمويل : من المتوقع أن تبدأ الجهات المانحة مراجعات فورية ، مما قد يؤدي إلى تجميد أو إعادة توجيه التمويل بعيداً عن القنوات المتورطة بشكل مباشر، أو فرض متطلبات مراقبة مكلفة إضافية .

الضغط الدبلوماسي :

ستستخدم الأمم المتحدة (خاصة مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية OCHA) هذه الواقعة كدليل على الحاجة إلى صلاحيات أكبر في مراقبة الشحنات على طول مسارها ، مما يثير توترات مع السلطات المحلية التي تسعى للحفاظ على سيطرتها على حركة البضائع داخل أراضيها .

التشكيك في المنظمات المحلية :

إذا كانت الجهة التي نفذت عملية النقل المزعومة هي منظمة إغاثية محلية تعمل بالشراكة مع الأمم المتحدة ، فإن الثقة في كافة المنظمات المحلية الشريكة ستتضرر بشكل كبير، مما يتطلب وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً لإعادة بناء السمعة .

السيناريوهات المستقبلية..

بناءً على طبيعة الادعاء وتأثيره المحتمل على ديناميكيات النزاع ، يمكن توقع سيناريوهين رئيسيين:
السيناريو الأول :
تأكيد الادعاء

إذا ثبتت صحة المعلومات المنشورة في الوثيقة المنسوبة عبر تحقيق مستقل :
التحقيق الدولي والمحاسبة : ستطالب الدول المانحة والكيانات الدولية بمساءلة واضحة للأطراف المسؤولة عن إعطاء الأوامر بتنفيذ هذا الاستخدام المزدوج .
تشديد المراقبة : سيتم تطبيق آليات رقابة أكثر تدخلاً (مثل المراقبة عبر الأقمار الصناعية أو تفتيش الحمولة بنسبة 100٪ عند كل نقطة تحكم) ، مما يزيد التكاليف التشغيلية بشكل كبير ويعيق سرعة الاستجابة .
تصعيد في الخطاب : سيتم استخدام هذا الدليل في الجهات الدولية (مثل مجلس الأمن) لاتهام الأطراف المعنية بالانتهاك ، مما قد يؤدي إلى ضغوط سياسية ودبلوماسية إضافية .

السيناريو الثاني :

الإنكار الرسمي وتصاعد الشكوك (السيناريو المحتمل)
إذا أنكرت السلطات المعنية صحة الوثيقة أو فشل التحقيق في الوصول إلى نتائج قاطعة :
استمرار ” التأثير المُجمِّد “: على الرغم من النفي ، ستظل الشكوك قائمة لدى المانحين والمنظمات الدولية . سيتردد الفاعلون الإنسانيون في استخدام القنوات المشتركة ، مفضلين مسارات أكثر تكلفة وأقل كفاءة ولكنها ذات شفافية أكبر (حيثما أمكن) .
المطالبة بضمانات جديدة : ستستمر المطالبة بوضع ضمانات أمنية جديدة وموثوقة من طرف ثالث مستقل كشرط أساسي لاستئناف التدفق الطبيعي للمساعدات .

التوصيات …

تتطلب هذه الأزمة الاستخباراتية استجابة متعددة المستويات لتقليل الضرر وضمان استمرارية الوصول الإنساني في جنوب كردفان وغيرها .

أ. للمنظمات الإنسانية الدولية (NGOs/UN Agencies) :

المراجعة الداخلية الفورية : يجب إجراء تدقيق داخلي فوري ومكثف لجميع البروتوكولات اللوجستية المتبعة في المنطقة ، مع التركيز على آليات التحقق من الحمولة قبل مغادرة نقطة التحميل .
الالتزام العلني بالحياد : إصدار بيانات عامة قوية تؤكد التزام المنظمات بمبادئ الحياد وعدم الانخراط في أي نشاط مزدوج الاستخدام ، والتهديد بإنهاء الشراكات مع أي طرف يثبت تورطه .
التنسيق مع OCHA: العمل بشكل وثيق مع مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية لإنشاء قائمة مرجعية موحدة ومعتمدة دولياً للتحقق من القوافل، لتقليل الاعتماد على التفتيش الأحادي الجانب .

ب. للأمم المتحدة والجهات المانحة :

المطالبة بالتحقيق المسيَّر : الضغط الدبلوماسي الموحد للإفراج عن معلومات مفصلة حول القافلة المحددة، والمطالبة بالسماح لفريق تفتيش دولي محايد (ربما بتفويض من مكتب المبعوث الخاص أو منظمة ذات سمعة محايدة) بالوصول إلى نقاط التوزيع النهائية للتحقق من تطابق الحمولة مع البيانات المعلنة .

آليات الرصد المتقدمة :
النظر في تطبيق أنظمة تتبع إلكترونية متقدمة (مثل أجهزة التتبع عبر الأقمار الصناعية) على جميع الشحنات الكبيرة والمشتبه بها ، مع مشاركة بيانات التتبع مع جهات دولية موثوقة لتعزيز المساءلة .

ج. للأطراف المحلية المتحاربة :

تأكيد الالتزام : يجب على جميع الأطراف المتحاربة إصدار إعلانات عامة تؤكد احترامها التام لحرمة الأعيان والموظفين الإنسانيين، وتؤكد على عدم استخدام أي غطاء إنساني لدعم العمليات العسكرية .

تسهيل الوصول : الالتزام بتسهيل وصول المحققين المستقلين إلى المناطق التي شهدت مرور القافلة المزعومة لتبديد الشكوك بسرعة .

المركز الأفريقي للتنمية المحلية
وحدة دراسات النزاع والأمن الإنساني

13 فبراير 2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى