الرئيسيهسوما المغربيمقالات

سوما المغربي تكتب: الإخوان.. الأزمة التي ارتدت أقنعة السودان حتى احترق في أبريل

سوما المغربي

ليست أزمة السودان نتاج صراع على سلطة أو موقع فقط، إنّها أزمة تنظيم واحد ظلّ يتبدّل اسماً وشكلاً، لكنه لم يبدّل جوهره قط، الإخوان وحدهم، منذ ستينات القرن الماضي، هم العقدة التي التفّت حول عنق هذا الوطن، غيّروا إنسانه، وأجحفوا بحق جغرافيته، واقتطعوا من أرضه، وباعوا مقدراته، وطمسوا تاريخه، حتى صار أبريل شاهداً على أكبر جريمة في تاريخ السودان الحديث.
اسمهم الأصلي كان “الإخوان المسلمين”. وحين لفظهم الشارع، صاروا “جبهة الميثاق”. وحين انكشفوا، لبسوا عباءة “الجبهة القومية الإسلامية”، ثم جمعوا شتاتهم في “الحركة الإسلامية” كوعاء جامع لتجارة الدين وتسييس العقيدة. وفي الثمانينات، لما ضاق بهم الناس، نفذوا انقلاباً باسم “ثورة الإنقاذ الوطني”. وحين انكشفت الإنقاذ، صاروا “المؤتمر الوطني”. وحين تعفنت رائحة الفساد، انشقوا إلى “المؤتمر الشعبي”، وتكاثروا أجنحة وواجهات، لكن الروح واحدة، هي احتكار القوة والمال والدولة.
خلال ثلاثين عاماً، لم يكتفوا بالتمكين الإداري، بل أسلموا الجيش والشرطة والمناهج، حتى صار التكبير جزءاً من الانضباط العسكري، وتحوّل الولاء للتنظيم إلى معيار الترقية، أنشأوا كتائب الظل، والدفاع الشعبي، وهيئة العمليات، وأطلقوا المليشيات في أطراف البلاد، وصنعوا الفتن العنصرية ليستميلوا قبائل ضد أخرى، ثم استخدموا الجميع وقوداً لمشروعهم.
وحين انفصل الجنوب بعد أن فقد السودان بتروله، انهار الاقتصاد، وخرج الشارع غاضباً، لم تكن الثورة مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لسياساتهم. ومع ذلك لم يستسلموا. التنظيم الذي يؤمن بأن السلطة تُؤخذ بالقوة لا يعترف بالهزيمة. أعادوا التموضع، واختبأوا خلف شعارات جديدة، وتحالفوا حتى مع من يخاصمونهم فكرياً، ما دام الهدف واحداً، وهو استعادة السيطرة على “القوة الخشنة”.
عينهم لم تكن على القوى المدنية فقط، بل كانت على كل قوة مسلحة خارج عباءتهم، فهم يدركون أن بقاءهم مشروط باحتكار السلاح، لذلك كانت حرب أبريل فصلاً أخيراً في مخطط طويل، هدفه إعادة ترتيب موازين القوة ولو على جثث السودانيين. حتى حلفاؤهم في الإقليم لم يقدّموا لهم سوى السلاح وخطاب الإرهاب، لأن مشروعهم لا يعيش إلا في بيئة الفوضى.
كارثة بلادنا ليست تعددية أزمات، بل أزمة واحدة ممتدة بأسماء متحولة، الإخوان لا ينتهون، ولا يسلّمون، بل يورّثون نهجهم جيلاً بعد جيل، تبديل جلد، تغيير لافتة، وإبقاء العقلية ذاتها. وحين يخرجون للحديث، يهرب منهم منطق الحجة، لأن التاريخ شاهد عليهم.
أبريل لم يكن صدفة، بل نتيجة حتمية لمسار طويل من العبث بالدولة، والسؤال اليوم ليس من أشعل الحرب فحسب، بل متى يقرّ السودان بأن أصل الداء معروف، وأن الوطن لن يتعافى ما لم يُقتلع هذا الجذر من تربة السياسة إلى الأبد.

سوما المغربي
فبراير ٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى