شكراً للإدارة الأمريكية وماخُفْيَهْ أعظم
علي جعفر حامد__ يكتب
حين يتكلم المستقبل بصوتٍ خافت
في السياسة، ليست كل القرارات مجرد أوراقٍ تُوقّع في المكاتب البعيدة. أحياناً تكون بعض القرارات أشبه بإشارةٍ في آخر الطريق… يراها من يقرأ الخرائط جيداً، بينما تمرّ على الآخرين كخبرٍ عابر في نشرة المساء.
ولهذا، فإن ما جرى مؤخراً من حديثٍ في دوائر القرار الدولي حول الحركات ذات الطابع الأيديولوجي في السودان، لم يكن مجرد تصنيفٍ أو توصيفٍ قانوني. بل بدا، لمن يتأمل المشهد بعمق، كأنه فتحٌ لصفحةٍ جديدة في كتابٍ ظل مغلقاً لسنوات طويلة.
فالتاريخ السوداني في العقود الأخيرة لم يكن مجرد صراعٍ على السلطة، بل كان أيضاً صراعاً على معنى الدولة نفسها:
هل هي دولة تُدار بالعقل أم بالشعار؟
بالمؤسسات أم بالولاءات؟
بالمستقبل أم بالماضي؟
الذين خبروا السياسة جيداً يعرفون أن العالم لا يتحرك فجأة، بل يتحرك بعد أن تتراكم الإشارات الصغيرة حتى تصبح حقيقةً لا يمكن تجاهلها. وعندما تبدأ تلك الإشارات في الظهور، فإن السياسي الذكي لا يقف عند ظاهرها، بل يسأل: إلى أين تتجه الرياح؟
وهنا يظهر الفارق بين من يلاحق اللحظة، ومن يصنعها.
ففي الوقت الذي ما زال فيه بعض الفاعلين في السودان يتحدثون بلغة الأمس، ويخوضون معاركهم القديمة وكأن الزمن لم يتحرك، يلوح في الأفق نمطٌ مختلف من التفكير السياسي؛ نمط يدرك أن السياسة ليست مجرد إدارة حرب، بل إدارة مستقبل.
وفي هذا السياق، يبرز اسم محمد حمدان دقلو بوصفه أحد أكثر الشخصيات قراءةً للواقع السوداني من زاوية مختلفة.
فالرجل، مهما اختلف الناس حوله، يمتلك خاصية نادرة في السياسة السودانية: القدرة على النظر إلى ما بعد اللحظة.
إنه يدرك أن السودان لم يعد يحتمل المزيد من الدوران في حلقة الأيديولوجيا المغلقة، وأن العالم نفسه لم يعد يتعامل مع المنطقة بالمعايير القديمة. لذلك فإن الخطوات التي قد تبدأ اليوم بهدوء، قد تكون في الحقيقة ملامح طريقٍ طويل نحو إعادة تعريف الدولة السودانية.
السياسي التقليدي ينتظر حتى تتضح الطريق ثم يسير فيها.
أما السياسي الذي يقرأ الزمن جيداً، فإنه يبدأ السير قبل أن تكتمل معالم الطريق.
ولعل هذا ما يفسر تلك اللغة الهادئة التي تظهر أحياناً في خطاب دقلو؛ لغة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها حساباتٍ أبعد مما يتخيله كثيرون. فالبساطة في السياسة ليست دائماً دليلاً على السذاجة، بل قد تكون أحياناً أعلى درجات الذكاء.
العالم اليوم يعيد ترتيب أولوياته في إفريقيا والشرق الأوسط.
والدول التي ستبقى هي تلك التي تفهم هذه التحولات مبكراً، لا تلك التي تكتشفها بعد فوات الأوان.
لهذا، فإن ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد صراعٍ عسكري، بل مخاضٌ سياسي عميق. مخاض يطرح سؤالاً واحداً بصيغة مختلفة:
من يملك القدرة على العبور بالسودان من زمن الشعارات إلى زمن الدولة؟
التاريخ، كما يقول الحكماء، لا يمنح الفرص مرتين.
والمستقبل لا ينتظر طويلاً من يترددون على أبواب الماضي.
لذلك قد تبدو بعض الخطوات القادمة صغيرة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها قد تكون بداية الطريق نحو السودان الذي لم يولد بعد.
أما الذين يقرأون السياسة ككتابٍ مفتوح، فهم وحدهم الذين يعرفون أن ما يظهر اليوم ليس سوى السطر الأول…
وأن ما خفي في الصفحات القادمة أعظم بكثير.
جلباب القضية


