سوما المغربي تكتب: “تأسيس” تحاول أن تبني، بينما النار ما تزال مشتعلة
سوما المغربي
في سياق لا يخرج عن ضغوط حرب ابريل التي اراد بها كيان الإخوان الإرهابي فناء شعب ومكونات ودولة، تقف مع حكومة السلام والوحدة التي أتخذت خيار بناء دولة السودان الجديد، بكل ما فيها، ولكن لنقف عند حقيقة يجب التمعن بها حيث أنه من السهل إطلاق وصف “الفشل”، لكن الأصعب هو النظر بعمق إلى طبيعة اللحظة، فهذه الحكومة لم ترث دولة قائمة لتديرها، بل وجدت نفسها أمام فراغ ثقيل، دولة تحتاج أن تُبنى من جديد، لا أن تُدار فقط. لذلك، فإن اسم “تأسيس” لم يكن توصيفاً سياسياً فقط، بل تعبير دقيق عن مشروع يبدأ من نقطة الصفر تقريباً.
ليست المسألة في ما إذا كانت الخدمات قد اكتملت، بل في كيف يمكن أن تبدأ أصلاً في بلد تتآكل فيه الأرض تحت أقدام مؤسساته. هنا تحديداً، تتكشف صورة مختلفة تماماً عن تلك التي يروّج لها خطاب التعجل في الحكم على حكومة “تأسيس”.
المشهد الذي تعمل فيه هذه الحكومة لا يشبه أي سياق تقليدي. حرب مفتوحة، موارد شحيحة، اقتصاد منهك، ومؤسسات تفككت أو تعطلت. في ظل هذا الواقع، تصبح أبسط المهام – كتشغيل مرفق صحي، أو استمرار مدرسة، أو إصدار وثيقة – إنجازاً قائماً بذاته، وليس تفصيلاً يمكن تجاوزه.
ورغم جسامة المعضلات التي تثقل كاهل المواطن من تضخم متسارع وتدهور في الخدمات الأساسية، إلا أن بشائر الإعمار في مناطق عديدة تؤكد أن حكومة السلام تمضي في طريق الحلول الجذرية. إن ترميم ما دمرته الحرب يستوجب صبراً، فالبناء أصعب من الهدم، والخطوات الجارية، وإن استغرقت زمناً لمواجهة التحديات اللوجستية والأمنية، تظل هي الضمانة الوحيدة لاستعادة الاستقرار وتحويل أنقاض النزاع إلى ركائز لمستقبل سوداني مشرق.
ثم هناك التحدي الأشد قسوة، وهو الاستهداف المباشر، لقيادات سياسية وعسكرية ومدنية تتعرض للاغتيال، وحواضن اجتماعية تُستهدف في أمنها ومعيشتها، ومع كل ذلك، تستمر المحاولة، لا لأن الظروف مواتية، بل لأنها لا تحتمل التراجع.
اللافت أن حكومة “تأسيس” لا تعمل فقط على إدارة الحاضر، بل تحاول في الوقت ذاته رسم ملامح مستقبل مختلف، لإعادة بناء المؤسسات، إحياء مفهوم الدولة، وترميم العلاقة بين المواطن والسلطة. وهي مهام بطبيعتها تحتاج إلى وقت واستقرار، وكلاهما لا يزال بعيد المنال.
اقتصاد الحرب يفرض منطقه القاسي، شح في الموارد، وتعطل في الإنتاج، وضغط متزايد على الخدمات. ومع ذلك، تستمر محاولات الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك، حتى لا ينهار ما تبقى.
ربما لم تصل “تأسيس” بعد إلى ما يتطلع إليه المواطن، لكن اختزال التجربة في “فشل خدمي” يتجاهل حقيقة أنها تخوض معركة مركبة، لبناء دولة، وإدارة أزمة، والصمود في وجه الاستهداف، في آنٍ واحد. ولهذا، فإن الحكم الأكثر إنصافاً الآن ليس الإدانة المتعجلة، بل قراءة ما يجري بوصفه مخاضاً صعباً لميلاد دولة جديدة.
سوما المغربي
ابريل ٢٠٢٦



