الرئيسيهتقاريرسوما المغربي

لقاء أممي في نيروبي .. إشارات جديدة على طريق السلام في السودان

تقرير : سوما المغربي

في لحظة تبدو فيها البلاد مثقلة بتداعيات الحرب وتداعياتها الإنسانية، جاء اللقاء الذي جمع رئيس المجلس الرئاسي الفريق أول محمد حمدان دقلو بالمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو في العاصمة الكينية نيروبي، بوصفه محطة سياسية لافتة. اللقاء لم يكن مجرد تبادل بروتوكولي، بل حمل في طياته نقاشاً مباشراً حول جذور الأزمة السودانية، ومآلاتها، وفرص الخروج منها. وبين عرض الرؤية الرسمية وتأكيد الحضور الدولي، برزت ملامح مقاربة جديدة تقوم على الجمع بين المسار السياسي والبعد الإنساني.

مخرجات اللقاء..

أسفر اللقاء عن جملة من المؤشرات التي تعكس توجهاً نحو إعادة تحريك ملف السلام. فقد استعرض رئيس المجلس الرئاسي رؤية متكاملة لمعالجة الأزمة، ترتكز على فهم عميق لجذورها التاريخية والسياسية، مع التأكيد على ضرورة عدم الاكتفاء بالحلول الجزئية.
في المقابل، أبدى المبعوث الأممي اهتماماً واضحاً بالاستماع إلى مختلف الأطراف، في إطار البحث عن مقاربة أكثر شمولاً لإنهاء الحرب. وأشار إلى أن الأمم المتحدة تسعى إلى بلورة مسار يحقق الاستقرار، مستنداً إلى ما تم جمعه من آراء ومواقف خلال لقاءاته المتعددة.
اللقاء، في مجمله، عكس رغبة مشتركة في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، وتهيئة الأرضية لخطوات عملية يمكن أن تقود إلى تهدئة الأوضاع.

الترحيب بجهود السلام..

أبرز ما ميز اللقاء هو الترحيب الصريح بجهود السلام، حيث أكد رئيس المجلس الرئاسي استعداد حكومته للتعاون الكامل مع الأمم المتحدة، بما يسهم في تخفيف معاناة المواطنين. هذا الموقف يعكس توجهاً نحو الانخراط في المبادرات الدولية، مع الحفاظ على طرح رؤية وطنية للحل.

رسائل مزدوجة..

كما حمل خطاب الترحيب رسالة مزدوجة، من جهة، الإنفتاح على المجتمع الدولي، ومن جهة أخرى، التأكيد على أن أي مسار للسلام يجب أن يستند إلى معالجة حقيقية لأسباب النزاع، وليس مجرد إيقاف مؤقت لإطلاق النار.
في هذا السياق، بدا أن اللقاء يهدف إلى إعادة بناء الثقة بين الأطراف الدولية والفاعلين المحليين، عبر خطاب سياسي أكثر وضوحاً بشأن أولويات المرحلة.

فتح قنوات المساعدات وعودة مكاتب الأمم المتحدة..

الملف الإنساني كان حاضراً بقوة في النقاشات، حيث شدد رئيس المجلس الرئاسي على ضرورة فتح قنوات وصول المساعدات دون قيود، مع الدعوة إلى إعادة تشغيل مكاتب الأمم المتحدة في المناطق المتأثرة.
هذا الطرح يعكس إدراكاً لحجم الأزمة التي يعيشها المدنيون، ويضع المسؤولية على عاتق المجتمع الدولي لتكثيف حضوره الميداني. كما يشير إلى رغبة في فصل العمل الإنساني عن التجاذبات السياسية، لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.
من جانب آخر، فإن إعادة فتح مكاتب الأمم المتحدة تمثل خطوة عملية نحو تحسين التنسيق الإغاثي، وتسهيل عمليات التوزيع، ومراقبة الأوضاع على الأرض بشكل مباشر. وهي خطوة إذا ما تحققت، قد تسهم في تخفيف حدة الأزمة الإنسانية التي تتفاقم يوماً بعد يوم.

إيجابية في التعاطي مع فرص السلام..

اللافت في اللقاء هو اللغة الإيجابية التي طغت على مجرياته، حيث أبدى الطرفان استعداداً للتعامل بمرونة مع فرص السلام. هذه الإيجابية لم تقتصر على التصريحات، بل انعكست في التأكيد على أهمية الحوار، والبحث عن حلول واقعية.
رئيس المجلس الرئاسي شدد على ضرورة الوصول إلى سلام شامل يعالج جذور المشكلة، مع التمسك بمبدأ العدالة والمساءلة. واعتبر أن أي تسوية لا تقوم على أسس واضحة قد تعيد إنتاج الأزمة من جديد.
في المقابل، أشار المبعوث الأممي إلى أن الأمم المتحدة تواصل جهودها لجمع الأطراف المختلفة، بهدف الوصول إلى صيغة توافقية تنهي الحرب. هذا التلاقي في المواقف يعكس إمكانية البناء على المشتركات، رغم تعقيد المشهد.

نحو مسار جديد..

يمكن قراءة هذا اللقاء باعتباره محاولة لإعادة ضبط بوصلة الحل، عبر الجمع بين الرؤية المحلية والدعم الدولي. فالسودان، الذي ظل لسنوات رهين أزمات متراكمة، يحتاج إلى مقاربة مختلفة تتجاوز الحلول التقليدية.
التركيز على الجذور التاريخية للأزمة، إلى جانب الدفع باتجاه فتح المسارات الإنسانية، يعكس إدراكاً متزايداً بأن إنهاء الحرب لا يقتصر على وقف القتال، بل يتطلب إعادة بناء الثقة والمؤسسات.
وفي ظل استمرار التحديات، يبقى نجاح هذه الجهود مرهوناً بمدى ترجمة هذه اللقاءات إلى خطوات ملموسة على الأرض، تعيد الأمل للمواطنين، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار.
في المحصلة، يحمل لقاء نيروبي دلالات تتجاوز رمزيته السياسية، ليشكل اختباراً حقيقياً لإمكانية الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة الحوار. وبين تعقيدات الواقع وتطلعات السلام، يبقى الأمل قائماً في أن تتحول هذه التحركات إلى بداية مسار مختلف، يعيد للسودان توازنه المفقود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى