سوما المغربي تكتب: العلمانية والديمقراطية والفدرالية كطريق لسلام السودان
في زمنٍ تكسّرت فيه صورة الدولة السودانية تحت وطأة الحرب والاستنزاف، تلوح حكومة السلام والتأسيس كمحاولة جريئة لإعادة تركيب المعنى، من خلال مشروع واضح المعالم، دولة علمانية، ديمقراطية، فيدرالية، تُبنى على أنقاض الفشل التاريخي، وتستمد شرعيتها من الناس لا من البنادق.
هذا المشروع لا يولد في فراغ، بل في سياق معقّد تتشابك فيه التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ومع ذلك، فإن نجاحه يظل ممكنًا إذا تضافرت الجهود الشعبية والدولية، عبر دعم سياسي يمنح الشرعية، وإسناد اقتصادي يعيد الحياة إلى جسدٍ أنهكته الحرب، وتواصل مجتمعي يعالج التشظي، ورقابة صارمة تضمن النزاهة والمساءلة، فهذه الفواصل ليست ترفًا، بل شروط بقاء لأي تجربة انتقالية جادة.
في قلب هذا المشروع يقف دستور التأسيس بوصفه حجر الزاوية، ليس مجرد نص قانوني، بل عقدًا اجتماعيًا جديدًا، يُفترض أن يضمن المشاركة الفعلية لجميع القوى الموقعة عليه، ويؤسس لحكم قائم على التراضي والمساواة، دستور يُنصف الهامش كما المركز، ويحوّل التنوع من عبءٍ تاريخي إلى مصدر قوة، ويضع أسسًا واضحة للحقوق والواجبات، وآليات للمساءلة، وإمكانية التطوير المستقبلي دون وصاية.
أما العلمانية، فقد اتُخذت مبدأً حاسمًا لا لبس فيه، دولة بلا فروض، تحترم حرية المعتقد والعبادة، وتلتزم الحياد الديني، وتنبذ التطرف، وتساوي بين مواطنيها أمام القانون، إنها ليست قطيعة مع الإيمان، بل حماية له من التوظيف السياسي، وضمان لسلامٍ اجتماعي طال انتظاره،
والديمقراطية هنا ليست واجهة شكلية، بل جوهر الحكم، مساواة في الحقوق، حرية للرأي، شفافية في الإدارة، وعدالة في المساءلة، بما يعيد للسياسة معناها كخدمة عامة ليس كغنيمة.
ثم تأتي الفدرالية كنظام حكم يعيد السلطة إلى أهلها، ويمنح الأقاليم استقلالية حقيقية في إدارة شؤونها، ويُصحح اختلالات تاريخية في توزيع السلطة والثروة، عبر تعاون متوازن بين المركز والوحدات المحلية.
يبقى التحدي الأكبر وهو أن تنجح حكومة السلام والتأسيس في تغيير واقع دارفور وكردفان وسائر السودان، الطريق شاق بلا شك، لكن الإرادة السياسية، إذا اقترنت بالتزام فعلي، وبشراكة صادقة مع المجتمعات المحلية والداعمين الدوليين، يمكن أن تفتح نافذة أمل.
فإن صحّ وضع اللبنات الأولى، فإن تضحيات السودانيين لن تذهب هدرًا، وسيولد وطن جديد يسع الحق والعدالة والمساواة، وطن يُشبه أهله أخيرًا، وتمضي حكومة السلام والتأسيس، وهي تدرك أن بناء الدولة ليس قرارًا فوقيًا بل مسارًا طويلًا، يتطلب صبرًا تاريخيًا وشراكة واعية بين السلطة والمجتمع، فنجاح التجربة مرهون بقدرتها على تحويل المبادئ الدستورية إلى واقع ملموس، يلمسه المواطن في أمنه وكرامته ومعاشه اليومي، لا في النصوص وحدها.
سوما المغربي
ديسمبر ٢٠٢٥



