الرئيسيهعبدالعزيز ضاويمقالات

عبدالعزيز ضاوي يكتب: دهس الأوهام تحت أقدام الواقع العاري

تحديات على ذاكرة الوطن

 

 

 

بقلم: عبدالعزيز ضاوي

 

 

لم تكن تصريحات مناوي مجرد رأي سياسي عابر، بل وهماً متضخماً خرج إلى العلن، ظنّ أصحابه أن المنصات تُدار بها الدول، وأن الضجيج العالي يعوّض غياب الفعل. لكن الواقع، حين يحضر، لا يجادل؛ الواقع يدهس. فالدولة لا تُدار باللايفات، ولا تُبنى بالبيانات المعلّبة، ولا تُحكم بخطابٍ مستعلٍ منفصل عن الأرض. الدولة تُصنع في الميدان، في الواقع العاري، حيث لا أقنعة ولا تصفيق.

الأماني لا تُمنح للمرتجفين؛ بل تُنتزع انتزاعاً على عناق السيوف، حين يفرض الفعل منطقه ويسقط الوهم من عليائه. من راهن على المنصة خسر الأرض، ومن صدّق صدى صوته انهزم أمام الحقيقة.

ما قيل لم يُخِف أحداً، بل فجّر أكبر تعبئة عسكرية وشعبية لصالح جيش التأسيس. هذه التعبئة لم تولد في مكاتب السياسة ولا غرف التفاوض، بل من غضب مجتمعات ضاقت بالاستعلاء والخطاب الفوقي. لم يتحرك الناس حباً في الحرب، بل رفضاً للإذلال، وحين يتحول التعالي إلى سياسة، يصبح الرد فعلاً لا بياناً.

النتائج كانت قاسية وواضحة: تراجع في مسارات كان يُفترض أنها إنجازات، من الفاشر، بابنوسة، هجليج، برنو، بير سليبة، أبوقمرا، وأمبرو، ثم انسحاب من الدبيبات، عُلوبة، الخوي، بارا داخل الأبيض، وصولاً إلى أم سيالة وأم دم حاج أحمد باتجاه النيل الأبيض، ورهيد النوبة إلى داخل أم درمان. هذا لم يكن إعادة تموضع، بل انهياراً سياسياً مغطّى بعبارات عسكرية.

ردود الفعل المتراكمة قد تفتح الطريق لتحرير الشريط الحدودي مع تشاد وليبيا، وعندها ستُطوى صفحة طويلة من العبث، ويُرفع الغطاء عن تجار الحرب، عبيد المال، وحركات الارتزاق والفلنقايات الذين يقاتلون من أجل الامتياز لا من أجل الوطن.

السؤال الجوهري: لمن تُدار هذه الدولة؟ حين تتكدس القيادة العسكرية والأمنية في نطاق جغرافي واحد، فذلك ليس مصادفة، بل منظومة تمكين تختطف المؤسسة وتغلق أبوابها أمام بقية السودانيين. هل هذا بلد الجميع أم ملك فئة بعينها؟

ما يجري اليوم ليس حرباً على الجيش، بل مواجهة مع اختطافه، وليس تمرداً على الدولة، بل رفضاً لدولة مملوكة جغرافياً. ومن يظن أن الشعوب تُدار بالصوت العالي، أو أن التاريخ يُكتب من منصة، لم يفهم السودان ولا منطق الواقع حين يقرر أن يتكلم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى