(تأسيس).. جرد حساب لترتيب الأوضاع ومرحلة جديدة للحكومة
تقرير : الاشاوس
في ظل واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ السودان الحديث، انعقدت الدورة الثالثة لاجتماعات الهيئة القيادية لتحالف السودان (التأسيسي) خلال الفترة من 31 يناير إلى 3 فبراير، برئاسة الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وسط تحديات سياسية وأمنية وإنسانية غير مسبوقة فرضتها الحرب الدائرة في البلاد.
وبحسب ما نقل موقع “مسارات” في تصريح للناطق الرسمي باسم التحالف، د. علاء الدين نقد، فإن انعقاد هذه الدورة جاء في وقت تشهد فيه البلاد حرباً “فرضتها الحركة الإسلامية”، وما صاحبها من تخريب متعمد لمنابر التفاوض وإجهاض المبادرات الرامية إلى إنهاء القتال وتحقيق السلام العادل والشامل والمستدام. وأوضح أن الاجتماعات اتسمت بدرجة عالية من التجرد والشفافية.
وطبقا لمصادر اخرى فقد ناقشت الهيئة القيادية الاختلالات القائمة وأوجه القصور في العمل المؤسسي، ووضعت تصورات عملية للإصلاح، من خلال اعتماد شركاء جدد، واستكمال مجلس الوزراء، والتهيئة لاستكمال بقية الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية.
نقاشات صريحة وجرد حساب سياسي
مصادر مطلعة داخل التحالف أكدت أن الاجتماعات مثلت “جرد حساب حقيقياً” لتجربة المرحلة السابقة، خاصة فيما يتعلق بإدارة العمل السياسي في ظل الحرب. ويقول المحلل السياسي الدكتور عادل عبد الرحمن إن “أهمية هذه الاجتماعات لا تكمن فقط في القرارات الصادرة، وإنما في طبيعة النقاشات نفسها، التي بدت أقرب إلى مراجعة نقدية شاملة لمسار التحالف منذ تأسيسه”.
وأضاف عبد الرحمن: “التحالف يدرك أن استمرار الحرب دون بناء مؤسسات بديلة سيخلق فراغاً سياسياً خطيراً، لذلك يسعى إلى الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء الدولة، ولو بصورة تدريجية.
كارثة إنسانية تضغط على المشهد ..
وانعقدت الدورة الثالثة للهيئة القيادية في وقت تواجه فيه البلاد كارثة إنسانية غير مسبوقة، مع تزايد أعداد النازحين واللاجئين، وارتفاع خطر المجاعة، وانهيار شبه كامل للخدمات الأساسية. وأشار د. علاء الدين نقد إلى أن ملايين السودانيين حُرموا من حقوقهم المشروعة في الحرية والعدالة والمساواة، إضافة إلى الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم واستخراج الوثائق.
وترى الباحثة في الشؤون الإنسانية، سارة الطيب، أن “أي مشروع سياسي لا يضع الكارثة الإنسانية في صدارة أولوياته محكوم عليه بالفشل”. وأضافت: “حديث التحالف عن استكمال مؤسسات الدولة يجب أن يُترجم إلى آليات حقيقية لتخفيف معاناة المدنيين، وإلا سيفقد زخمه الشعبي”.
خطوة مفصلية نحو الدولة الجديدة ..
ووصف الناطق الرسمي باسم التحالف انعقاد الدورة الثالثة بأنها خطوة مفصلية في مسار تأسيس الدولة السودانية الجديدة، معتبراً أنها تمثل إضافة إلى سجل الإنجازات العسكرية لقوات (تأسيس) في ميادين القتال. وأشار إلى الانتصارات التي تحققت في مختلف الجبهات، معتبراً أنها تشكل رصيداً سياسياً يجب استثماره في بناء مؤسسات الحكم.
من جانبه، قدّم رئيس التحالف الفريق أول محمد حمدان دقلو تنويراً شاملاً لأعضاء الهيئة حول تطورات الوضع السياسي والأمني، مؤكداً حرص التحالف على وحدة السودان الطوعية أرضاً وشعوباً، وضرورة التصدي لخطاب الكراهية والعنصرية، وترسيخ قيم ومبادئ السودان الجديد. كما شدد على أهمية رفع مستوى الوعي الثوري، وتوفير الدعم للقوى المقاتلة من أجل إنهاء الأزمة.
ويعلّق الكاتب الصحفي محمد الأمين قائلاً: “خطاب حميدتي في هذا الاجتماع بدا موجهاً للداخل والخارج معاً، فهو من جهة يؤكد السيطرة الميدانية، ومن جهة أخرى يحاول طمأنة القوى السياسية والمجتمعية بشأن وحدة السودان”.
إشادة بالقيادة وبرنامج للحكومة ..
وفي السياق ذاته، أشاد نائب رئيس الهيئة القيادية، رئيس الحركة الشعبية القائد عبد العزيز آدم الحلو، بجهود قيادة التحالف وأعضائه، معتبراً أن تكوين التحالف وبناء هياكله وتأسيس حكومة السلام يمثل تطوراً سياسياً مهماً. كما استعرض رئيس وزراء حكومة السلام، الأستاذ محمد حسن التعايشي، برنامج وموازنة الحكومة لسنة 2026، مسلطاً الضوء على أولويات استكمال هياكل الدولة.
ويرى الخبير الاقتصادي د. فيصل محمود أن “طرح برنامج وموازنة لعام 2026 في هذا التوقيت يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن التحالف يفكر بمنطق الدولة، وليس بمنطق الحرب فقط، رغم التحديات المالية الضخمة”.
قرارات تنظيمية ورسائل للخارج
وخرجت الاجتماعات بجملة من القرارات، شملت إجازة لائحة تنظيم أعمال الهيئة القيادية، وتكوين (11) لجنة متخصصة، وتشكيل لجنة تنفيذية، واختيار الناطق الرسمي ونوابه، إضافة إلى التوافق على استكمال هياكل حكومة السلام، وإجازة برنامج وموازنة 2026، ووضع موجهات عامة لورشة إنهاء الحروب، وإجازة الرؤية الإعلامية وورقة العمل الخارجي للتحالف.
ويرى مراقبون أن التركيز على العمل الخارجي يعكس إدراك التحالف لأهمية البعد الدولي. ويقول المحلل الدبلوماسي أحمد يوسف إن “التحالف يحاول موازنة علاقاته الدولية، مستفيداً من دعم بعض الأطراف، وفي الوقت نفسه محذراً من أدوار دولية سالبة تسهم في إطالة أمد الحرب”.
بين التحدي والفرصة
وأكد التحالف متابعته للتحركات الإقليمية والدولية بشأن إيقاف الحرب، مثمناً جهود الآلية الرباعية، ومحذراً من دعم بعض الأطراف الدولية للحركة الإسلامية. ويجمع مراقبون على أن اجتماعات الهيئة القيادية تمثل محاولة جادة لإعادة ترتيب الأوضاع الداخلية للتحالف، لكنها تظل مرهونة بمدى القدرة على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وتحويل الشعارات إلى سياسات ملموسة على الأرض.



