
الفاشر وكتم… حين تصنع الجغرافيا إنسانًا ويصنع الإنسان ذاكرة
في استدعاء الذكريات تحل غابة مكين وبلح وفواكه كتم وأشياء أخرى
كتب : علي الماحي
في أقصى شمال دارفور، حيث تمتد الأرض بين الصحراء والواحات، وتتشابك الحكايات كما تتشابك الطرق المؤدية إلى الأسواق، تقف مدينة الفاشر شامخة بتاريخها، متجذرة في وجدان أهلها، وحاملة لإرثٍ اجتماعي وثقافي يجعلها مدينة فريدة من نوعها. ليست الفاشر مجرد عاصمة لولاية شمال دارفور، بل هي ذاكرة حيّة، وملتقى طرق، ومرآة تعكس تنوع السودان وعمقه الإنساني.
تعقيدات سياسية وتحديات ميدانية ..
عملتُ في هذه المدينة خلال فترة مفصلية من تاريخ دارفور، منذ أن وُقّعت اتفاقية سلام دارفور في دولة قطر، في إطار عمل حركة التحرير والعدالة. كانت تلك المرحلة، رغم ما أحاط بها من تعقيدات سياسية وتحديات ميدانية، فترة جميلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ جميلة بالناس، وبالتجربة، وبالإحساس العام بأن السلام – ولو كان هشًا – ممكن، وأن التعايش ليس شعارًا بل ممارسة يومية.
تنوع إنساني مدهش ..
ما يميز الفاشر حقًا هو هذا التنوع الإنساني المدهش. قبائل مختلفة، لهجات متعددة، عادات متباينة، لكنها تلتقي جميعًا عند قيم الكرم، والبساطة، وطيبة القلب. في أسواق الفاشر، وفي أحيائها، وفي جلسات المساء، يشعر الزائر أن الناس هنا يعرفون بعضهم بعضًا، أو على الأقل يعرفون كيف يحترمون الاختلاف، ويصنعون منه مصدر قوة لا سبب فرقة.
كتم محطة يصعب تجاوزها ..
ومن الفاشر، تمتد الرحلة جنوبًا غربيًا لمسافة تقارب 83 كيلومترًا، لتصل إلى مدينة كتم؛ تلك المدينة التي لا يمكن المرور بها مرور الكرام. كتم ليست مدينة عادية، بل حالة اجتماعية وثقافية خاصة. مدينة لها طعمها، كما لبلحها طعم خاص لا يُشبه غيره، بلح يأتي أخضر ناضرًا، ومعه الفاكهة التي تحمل نكهة الأرض وصدق الزراعة، وكأن التربة نفسها تشارك في صنع الذكريات.
كتم مدينة التنوع الجميل. تنوع اجتماعي واضح، وتعايش قديم، ومدارس كانت ولا تزال رمزًا لهذا التلاقي، مثل مدرسة كتم الريفية، التي خرجت أجيالًا تشربت قيم المعرفة والانتماء. وهناك “الرملة البيضاء”، التي لا تمثل مجرد موقع جغرافي، بل مساحة للقاء والراحة والتأمل، حيث تختلط الطبيعة بالإنسان في مشهد بسيط وعميق.
غابة مكين شاهدة على عبق المكان ..
وعند مدخل سوق كتم، تقف غابة مكين شاهدة على تاريخ من اللقاءات والمناسبات. كم من نقاشات دارت هناك، وكم من صداقات وُلدت تحت ظلال أشجارها، وكم من أفكارٍ نمت كما تنمو الأغصان. السوق نفسه ليس فقط مكانًا للبيع والشراء، بل فضاء اجتماعي وثقافي، تُتداول فيه الأخبار، وتُعقد فيه الصلح، وتُحتفل فيه بالمناسبات، وتُمارَس فيه الرياضة الشعبية بروح جماعية جميلة.
في كتم، كما في الفاشر، للثقافة حضورها، وللرياضة مكانتها، وللفنون الشعبية إيقاعها الخاص. هي مدن تُعلّمك أن الحياة، رغم قسوتها أحيانًا، يمكن أن تكون بسيطة، وأن الإنسان قادر على صناعة الفرح حتى في أقسى الظروف.
الحديث عن الفاشر وكتم ليس مجرد استدعاء للذكريات، بل هو توثيق لمرحلة، وشهادة لمكان، ووفاء لأهلٍ منحونا أكثر مما ندرك: منحونا درسًا في التعايش، وفي الصبر، وفي حب الأرض. هذه المدن لا تُختصر في الأخبار، ولا تُفهم من بعيد؛ يجب أن تُعاش، ويُكتب عنها بصدق، كما تُحكى الحكايات الجميلة التي نخشى عليها من النسيان.



