الرئيسيهتقارير

ثلاث سنوات من التغيير.. من بعد أبريل

الذكرى الثالثة لشرارة الغدر.. حين انكشفت الأقنعة بمعركة أسترداد النفوذ

 

 

 

 

تقرير سوما المغربي 

 

تمرّ الذكرى الثالثة لحرب الخامس عشر من أبريل، والسودان لا يزال يرزح تحت وطأة واحدة من أكثر المحطات قسوة في تاريخه الحديث. ثلاث سنوات لم تكن مجرد زمنٍ للحرب، بل كانت كافية لكشف طبقات عميقة من الصراع، وإزاحة الستار عن مشروعٍ ظل يتخفّى خلف شعارات الدولة، بينما كان في جوهره معركة للعودة إلى السلطة، ولو على حساب الوطن والإنسان. في هذه الذكرى، لا يُستعاد الحدث كذكرى عابرة، بل كوثيقة دامغة على لحظة انقسام كبرى، بدأت بإرهاصات واضحة، وانتهت بكارثة إنسانية مفتوحة.

 

إرهاصات الحرب.. حين بدأ الحشد مبكراً

 

لم تكن حرب أبريل مفاجئة لمن تابع مسار الأحداث قبل اندلاعها فقد سبقتها حملة تعبئة سياسية وعسكرية قادتها تيارات الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية، مستندة إلى خطاب تصعيدي يتجاوز حدود الخلاف السياسي إلى منطق الحسم العسكري.

التصريحات التي سبقت الحرب كانت إشارات واضحة على نية المواجهة. حديث “الحسم في ساعات” و”القضاء على الخصم خلال أيام” لم يكن سوى انعكاس لعقلية ترى في الحرب أداة لإعادة تشكيل السلطة، لا وسيلة لحماية الدولة.

قيادات الحركة الإسلامية دفعت في ذات الاتجاه، حيث تم تصوير الصراع كمعركة كرامة”، بينما كان في حقيقته معركة استرداد النفوذ. تلك اللغة لم تترك مجالاً للتسوية، بل مهّدت لاندلاع حرب تم الإعداد لها سياسياً ونفسياً من قبل جيش الإخوان وقادته، قبل أن تبدأ ميدانياً.

 

خطاب التحريض من المنابر لساحات القتال.. 

 

قبل 15 أبريل، لم تتوقف التصريحات العدائية ضد قوات الدعم السريع، بل تصاعدت بشكل لافت حتى في مناسبات اجتماعية، حيث تحوّلت المنابر العامة إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية.

تصريحات البرهان وقيادات الجيش اتسمت بازدواجية واضحة؛ ففي العلن كان الحديث عن تجنب الحرب، بينما في الواقع كان الخطاب يمضي نحو المواجهة الصفرية. ومع اندلاع القتال، تحوّل الخطاب إلى لغة إقصائية كاملة، تنفي أي إمكانية للحل، وتؤسس لحرب طويلة.

أما تصريحات بعض القادة العسكريين، التي تحدثت عن “سحق الدعم السريع خلال ساعات”، فقد كشفت عن تقديرات خاطئة، سرعان ما انهارت أمام واقع الميدان، ليتحوّل الوعد بالحسم السريع إلى حرب استنزاف استمرت لسنوات.

 

غدر كرري ذاكرة لا تموت.. 

 

في سياق هذه الحرب، تبقى مجزرة كرري واحدة من أكثر اللحظات إيلاماً، حيث سقط الآلاف من الجنود العزّل في مشهد يعكس قسوة الصراع. لم يكن ذلك الحدث مجرد معركة، بل جرحاً مفتوحاً في ذاكرة الأشاوس.

تلك اللحظة أعادت تعريف معنى الغدر، ورسّخت قناعة بأن هذه الحرب لا تحكمها قواعد، بل تُدار بمنطق الإبادة. ومع مرور السنوات، لم تندمل الجراح، بل تعمّقت، لتصبح جزءاً من الوعي الجمعي.

 

 

حرب من أجل السلطة ورفض للتغيير.. 

 

 

في جوهرها، لم تكن حرب أبريل سوى رفض صريح لمسار التغيير الذي بدأته ثورة ديسمبر. فالاتفاقات السياسية التي كانت تمهد لانتقال مدني، وُوجهت برفض قوى النظام السابق، التي رأت في ذلك تهديداً مباشراً لنفوذها.

إعادة رموز النظام السابق إلى المشهد، بعد أن كانوا في السجون، كانت جزءاً من خطة أوسع لإعادة ترتيب السلطة. قرار إخراج البشير ومن معه مثّل نقطة مفصلية، أكدت أن ما يجري ليس مجرد صراع عسكري، بل إعادة إنتاج للنظام القديم بأدوات جديدة.

ومن هنا، يمكن فهم الحرب باعتبارها محاولة لإجهاض التحول الديمقراطي، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، عبر فرض واقع جديد بقوة السلاح.

 

جيش الفلول المؤسسة المختطفة.. 

 

كشفت الحرب بوضوح أن ما يُقدّم كجيش وطني لم يعد كذلك في نظر كثيرين، بل تحوّل إلى أداة بيد تيارات بعينها. اختراق الإسلاميين للمؤسسة العسكرية، وسيطرتهم على مفاصلها، جعل منها ساحة لتنفيذ مشروع سياسي، لا مؤسسة لحماية الوطن.

التحالف بين القيادات العسكرية وبقايا النظام السابق أعاد إنتاج نفس المنظومة التي ثار ضدها الشعب. ومع تصاعد الحرب، بدا واضحاً أن القرار العسكري لم يعد مستقلاً، بل خاضع لحسابات سياسية ضيقة.

 

حرب الجرائم والانتهاكات ضد الشعب.. 

 

خلال ثلاث سنوات، لم تكن الحرب مجرد مواجهة بين قوتين، بل تحوّلت إلى حرب ضد المدنيين، خاصة في مناطق الهامش. القصف الجوي طال المستشفيات والأسواق، وامتد إلى الأحياء السكنية، مخلفاً آلاف الضحايا.

عمليات القتل والتهجير القسري أصبحت واقعاً يومياً، حيث أُجبر المواطنون على مغادرة مدنهم وقراهم، فيما تحوّلت “الكنابي” ومناطق النزوح إلى مسارح للمعاناة.

القوانين التي تم تطبيقها، مثل ما يُعرف بـ”قانون الوجوه الغريبة”، كرّست التمييز الإثني والمناطقي، وشرعنت الإقصاء، في مشهد يعكس طبيعة الحرب كصراع يحمل أبعاداً عنصرية واضحة.

لم يعد المواطن يتمتع بأبسط حقوقه؛ الحق في الحياة، في السكن، في التعليم، وفي العلاج، كلها تحوّلت إلى امتيازات مفقودة في ظل حرب لا تعترف بالمدنيين.

 

انكشاف الحقيقة.. لا جيش بل مليشيات

 

بعد ثلاث سنوات، لم يعد من الممكن التمسك بالسرديات القديمة. الحرب كشفت أن ما يجري ليس صراعاً بين جيش وطني وقوة متمردة، بل مواجهة بين الفلول وقوات شعب كامل يحمل مشروعاً سياسياً واضحاً.

فقد تحوّلت المؤسسة العسكرية إلى كيان يضم كتائب ومليشيات، تعمل خارج إطار الدولة، وتخوض حرباً بلا أفق. هذا الواقع أعاد طرح السؤال الجوهري حول طبيعة الدولة القديمة نفسها، ومستقبلها.

 

ثلاث سنوات.. والمعركة مستمرة .. 

 

في الذكرى الثالثة لحرب أبريل، يتضح أن ما جرى أصبح نقطة تحول عميقة في تاريخ السودان. حرب بدأت بإرهاصات واضحة، وأُشعلت بقرار سياسي، واستمرت على حساب شعبٍ دفع الثمن كاملاً.

ثلاث سنوات كشفت الحقيقة كاملة: صراع على السلطة، حرب ضد التغيير، وانتهاكات طالت الإنسان في أبسط حقوقه. ومستقبل مجهول في بلدٍ أنهكته الحرب. 

ما لا شك فيه، أن ذاكرة أبريل ستظل حاضرة، لا كذكرى، بل كدليل على لحظة انكشاف كبرى، لن يكون موجوداً بعدها سوى السودان الجديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى