جمعة حراز يكتب ـــــــ
تقدير موقف
في لحظات التحوّل الحاسمة، لا تتهاوى الأنظمة فحسب، بل تتهاوى معها الأوهام الكبرى التي صاغتها نخب الهيمنة لتبرير بقائها. وحين تشتد المعركة، تنكشف الحقائق بلا رتوش، وتتعرّى الشعارات التي طالما استُخدمت ستارًا لخداع الشعوب باسم “القومية” و”الوطنية”.
لقد أثبتت التجربة السودانية، بما لا يدع مجالًا للشك، أن المشروع الذي رُوّج له كإطار جامع لم يكن سوى واجهة لاحتكار السلطة والثروة، تُديره نخبة ضيقة بعقلية الإقصاء، وتعيد إنتاج سيطرتها عبر مؤسسات مختطفة، في مقدمتها المؤسسة العسكرية. فهذه “القومية” التي تغنّوا بها لم تكن يومًا مشروعًا وطنيًا جامعًا، بل أداة لإدامة التمكين، وإقصاء الغالبية الساحقة من مكونات الشعب السوداني…
قرارات بإعادة تعيين قيادات في قمة جيش الفلول المختطف، لم يكن حدثًا عابرًا، بل هو تجلٍ صريح لحقيقة هذا المشروع. إذ يعكس بوضوح الرؤية الحقيقية لتلك النخبة التي تحتكر وطنًا مغتصبًا، حين تُعاد هندسة القيادة العسكرية وفق أحادية ضيقة لقبيلة واحدة، في بلد يضم أكثر من 521 قبيلة، لكل منها حق أصيل في التمثيل والمشاركة. إن هذا النهج لا يمثل خللًا إداريًا فحسب، بل يكشف عن عقيدة راسخة تقوم على احتكار الدولة وإقصاء الآخرين.
إن القومية التي تُبنى على الإقصاء ليست قومية، بل مشروع تفكيك مغلف بالشعارات. وحين تُختزل الدولة في هوية ضيقة، فإنها تفقد معناها، وتتحول إلى أداة قمع بدل أن تكون إطارًا جامعًا. ولهذا، لم يكن مستغربًا أن يتحول هذا “الجيش القومي” المزعوم إلى أداة لحماية مصالح فئة محددة، بدل أن يكون درعًا لكل السودانيين.
تتشكل اليوم إرادة جديدة من عمق الواقع السوداني، إرادة تحمل مشروعًا مختلفًا يعيد تعريف الدولة على أسس العدالة والتعدد والمشاركة الحقيقية. وفي قلب هذا التحول، تبرز قوات تأسيس وقوات الدعم السريع كنواة صلبة لقيام جيش السودان الجديد؛ جيش لا يُبنى على الولاء الضيق، بل على عقيدة وطنية جامعة تعترف بكل مكونات البلاد، وتعيد توزيع القوة بما يعكس حقيقة السودان لا وهم المركز.
إن هذه القوى تمثل بداية إعادة التأسيس، لا مجرد امتداد لصراع تقليدي. فهي تطرح نموذجًا جديدًا للمؤسسة العسكرية، قائمًا على الانحياز للشعب لا للنخبة، وعلى حماية التنوع لا قمعه، وعلى بناء دولة تتسع للجميع دون استثناء.
إن المعركة الجارية اليوم ليست معركة مواقع، بل معركة معنى ومصير؛ بين مشروع قديم يلفظ أنفاسه الأخيرة رغم محاولات إنعاشه، ومشروع جديد يتقدم بثقة نحو إعادة صياغة الدولة السودانية. وبين هذين المسارين، تسقط كل الأقنعة، وتتضح خطوط المستقبل.
لقد اقترب فجر الإخلاص… الفجر الذي تُهزم فيه القومية الزائفة، وتولد فيه قومية حقيقية من رحم المعاناة، قومية لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى بالعدالة، ولا تُحتكر، بل تُشاع بين الجميع.
وحينها فقط، لن يكون السودان ساحة صراع، بل وطنًا مكتمل المعنى… وطنًا يشبه كل أبنائه.



