فاطمة لقاوة تكتب: نسوية بلا وصاية
نسوية بلا وصاية
بقلم:فاطمة لقاوة
لم تعد أزمة الحركة النسوية في السودان أزمة تمثيلٍ ناقص فحسب، بل أصبحت أزمة مصداقية عميقة، تكشف عن خللٍ بنيوي ظل يتفاقم عبر عقود،فبينما تدّعي بعض التشكيلات النسوية الحديث بإسم جميع النساء، فإن واقع الحال يؤكد أنها لم تغادر يومًا حدود النخبة المركزية ومدنهم الكُبرى كما يسموها، ولم تُنصت بصدق لصوت النساء في الهامش، حيث تتجلى المأساة بأبشع صورها.
لقد نشأت الحركة النسوية السودانية في سياق تاريخي معقد، وحققت بلا شك مكاسب مهمة، لكنها—مع مرور الوقت—وقعت في فخ المركزية، فتحوّل خطابها إلى إنعكاس لأولويات المدن، وتراجعت قدرتها على تمثيل النساء في مناطق النزاعات والريف، حيث الفقر، والنزوح، والعنف، والتهميش المركب.
هذا الإنفصال لم يكن مجرد قصور تنظيمي، بل كان نتيجة مباشرة لإختراق سياسي واضح، جعل كثيرًا من هذه الكيانات أقرب إلى أذرع ناعمة للسلطة، منها إلى حركات تحرر مستقلة.
الأخطر من ذلك أن بعض هذه المجموعات لم تكتفِ بالصمت تجاه الإنتهاكات، بل ذهبت إلى ما هو أبعد:
تبرير الواقع القائم، والتماهي مع خطاب قوى سلطة الأمر الواقع في بورتسودان المسيطرة على الجيش، والعمل—بشكل مباشر أو غير مباشر—على تبييض صورتها.
عندما تتحول منظمات يُفترض أنها تدافع عن النساء-منظمة لا لقهر النساء ومنسم مثلا- إلى منصات لتسويق السلطة، فإنها تفقد شرعيتها الأخلاقية قبل السياسية.
إن الدعوات التي تُرفع تحت لافتة “الدفاع عن النساء”، بينما تتجاهل معاناة آلاف النساء في مناطق الحرب، ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج نفس منظومةالتسلط، ولكن بلغة أكثر نعومة،فالمرأة التي فقدت كل شيء في دارفور وكردفان و النيل الأزرق و الشرق و الشمال وكل هوامش مدن السودان والقُرى و الفرقان، أو التي تعيش في معسكرات النزوح ومراكز اللجوء، لا تعنيها الشعارات الجوفاء، بل تبحث عن صوتٍ صادق ينقل معاناتها، ويدافع عن حقها في الحياة الكريمة.
تأكيداً لذلك فإن أي حراك يُوظف لخدمة أجندات سياسية ضيقة-(الوقفة الإحتجاجية التي ترتب لها المدعوة أميرة بإسم لا لقهر النساء في برلين و التي حُدد لها يوم ١٤مارس المقبل والتي ستدعم جنرالات الحرب في بورتسودان،هذة تظاهرة مدعومة من إستخبارات البرهان التي تسعى لفتنة المجتمعات ولا تمثل المرأة السودانية )- أو يُستخدم كغطاء لشرعنة واقع مأزوم، لا يمكن إعتباره إمتدادًا للنضال النسوي الحقيقي، بل هو إنحراف عنه،فالنضال لا يُقاس بعدد الوقفات أو البيانات، بل بمدى الإنحياز الصادق للضحايا، والقدرة على قول الحقيقة، حتى عندما تكون مكلفة.
رغم هذا المشهد القاتم، فإن هناك تحولًا عميقًا يحدث بصمت، يوضح أن نساء السودان—خاصة في الهامش—لم يعدن مجرد ضحايا، بل أصبحن فاعلات في تشكيل واقعهن،لقد فرضت عليهن الحرب أن يقدن مجتمعاتهن، وأن يبتكرن أشكالًا جديدة من الصمود، وأن يُعدن تعريف النضال بعيدًا عن الوصاية النخبوية.
هذا الوعي الجديد يفتح الباب أمام مشروع نسوي مختلف،مشروع لا يُدار من خلف المكاتب، ولا يُختزل في بيانات موسمية، بل ينبع من الأرض، من معاناة حقيقية، ومن رغبة صادقة في التغيير.
مشروع يربط بين قضية المرأة وقضية العدالة الشاملة، ويدرك أن التحرر لا يمكن أن يتحقق في ظل أنظمة القهر، مهما تزيّنت بالشعارات.
الرسالة اليوم واضحة: لا أحد يملك حق التحدث باسم نساء السودان دون تفويض حقيقي من واقعهن، ولا مكان بعد الآن لنسوية تُستخدم كأداة سياسية، أو كواجهة لتجميل السلطة.
التاريخ يكتب الآن، والذاكرة الجمعية تتشكل، وكل من إختار الإصطفاف ضد معاناة النساء، سيسجله هذا التاريخ في موقعه الحقيقي.
نساء السودان الحقيقيات، فهن لا يحتجن إلى من يتحدث باسمهن، بل إلى من يقف معهن، وهن بالفعل بدأن كتابة فصل جديد عنوانه الإستقلال، ومضمونه الكرامة، ونهايته الحتمية :كسر كل أشكال الوصاية، وبناء حركة نسوية تنتمي لهن لا عليهن.
الأربعاء،٨أبريل/٢٠٢٦م



