العرجا لمراحا
مبشر تورشين
في عصر المعلومات والتكنولوجيا، لم تعد الحروب تقتصر على القذائف والأسلحة التقليدية، بل انتقلت إلى العقول والقلوب. وتعد الشائعات إحدى أخطر أدوات “الحرب النفسية” أو ما يُعرف بـ”الحرب الهجينة”، حيث تُستخدم كذخيرة حية لزعزعة الاستقرار وتزييف الوعي وإرباك الأوضاع الأمنية. تنتشر الشائعات كالنار في الهشيم خلال أوقات الحروب والأزمات، مستغلة حالة الخوف والقلق لدى الشعوب، لتصبح أحياناً أكثر فتكاً من الطائرات الحربية.
أولاً: مفهوم الشائعة في الحرب
الشائعة هي خبر كاذب، أو نصف حقيقة يتم تحريفها، تنتشر بسرعة مذهلة بهدف إثارة البلبلة والذعر، وغالباً ما تكون مجهولة المصدر أو صادرة عن جهات مغرضة. في زمن الحروب، تستغل الشائعات انعدام المعلومات وندرتها (أو الشك في مصداقيتها) لزرع الشك وسوء الظن، مما يولد الانقسام المجتمعي.
ثانياً: كيفية الاستفادة من الشائعات في الحروب (أهداف العدو)
يلجأ المحاربون إلى نشر الشائعات لتحقيق أهداف استراتيجية دون تكلفة عسكرية، أبرزها:
تحطيم الروح المعنوية: تستهدف الشائعات زرع اليأس والقنوط والسخط في نفوس المدنيين والجنود، مما يؤدي إلى انهيار العزيمة.
خلق الذعر والفوضى: نشر أخبار كاذبة عن اقتراب العدو أو هزيمة الجيش يدفع الناس إلى الهرب، مما يعرقل تحركات القوات الصديقة ويخلق أزمات إنسانية.
إرباك القيادة وصناع القرار: تهدف بعض الشائعات إلى تضليل القيادة العسكرية بشأن مواضع الهجوم أو حجم القوات، مما يشتت الجهود ويؤخر القرارات السليمة.
الوقيعة بين الشعب والقيادة: تعمل الشائعات على زعزعة الثقة في الجهات المختصة، ونشر الشك في مصداقيتها.
الاستفادة الاقتصادية: ينشر تجار الحروب شائعات عن نقص المواد الأساسية لرفع الأسعار، أو شائعات تؤدي إلى انهيار العملة الوطنية لخدمة مصالحهم الضيقة.
ثالثاً: آليات انتشار الشائعات وزيادتها في العصر الرقمي
على عكس التوقعات بأن التكنولوجيا ستقلل الشائعات، أدى انتشار وسائل التواصل الاجتماعي إلى زيادة سرعة وانتشار الشائعات. تعتمد الشائعات على الميل الطبيعي للإنسان لتصديق ما يتوافق مع مخاوفه وعواطفه في أوقات الأزمات.
رابعاً: سبل الوقاية والتحصين
لمواجهة هذا الخطر، تتطلب المرحلة تكاتفاً مجتمعياً:
التثبت (التبيّن): هو المنهج الشرعي والعقلي، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.
كتمان الشائعات: الصمت وعدم تداول الشائعة هو أفضل طريقة لقتلها.
المصادر الرسمية: اعتماد الأخبار من الجهات الرسمية فقط، وتجنب الشائعات المنقولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
الوعي: إدراك أن المعلومات المضللة هي جزء من المعركة، والتعامل مع كل خبر مريب بحذر.
إن حرب الشائعات هي حرب عقول، والمنتصر فيها هو من يمتلك الوعي ويرفض أن يكون بوقاً لنشر الأكاذيب. فالشائعة لا تقتل بالرصاص، بل تقتل بالخوف وتهدم المجتمعات من الداخل، مما يستوجب الحذر والتثبت في أصعب الأوقات. لذلك نُحرِّض كل أشاوسنا في محاور القتال الميداني على عدم الانجرار خلف الشائعات التي تُبث بغرض تفكيك وشق الصف بين المجتمعات في السودان.
مبشر أحمد تورشين



