الرئيسيهتقاريرسوما المغربي

الهندسة الإنسانية في زمن الحرب .. حكومة السلام تعيد تشكيل مسارات الإغاثة في السودان

تقرير : سوما المغربي

في مشهد مثقل بالانهيارات الإنسانية والتشظي الاجتماعي، تبرز محاولات إعادة تنظيم العمل الإغاثي كواحدة من أكثر المعارك تعقيداً وأهمية. فبينما تتسع رقعة النزوح وتتفاقم هشاشة المجتمعات، تسعى حكومة السلام والوحدة إلى نقل العمل الإنساني من حالة الارتباك والتشتت إلى فضاء أكثر انضباطاً وفاعلية. وفي قلب هذا التحول تقف الهيئة الوطنية للوصول الإنساني، بقيادة المهندس عز الدين الصافي، كجهة تنسج خيوط التنسيق بين الداخل والخارج، واضعةً أسساً جديدة لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها دون عوائق أو ازدواجية.

حوكمة الإغاثة
عبر إعادة تعريف العلاقة مع المنظمات أطلقت الهيئة الوطنية للوصول الإنساني مرحلة جديدة من العمل المنظم عبر القرار الوزاري رقم (1) لسنة 2026، الذي مثّل تحولاً نوعياً في إدارة الملف الإنساني. لم يعد العمل الإغاثي مجرد استجابة ظرفية، بل بات محكوماً بإجراءات واضحة تفرض التسجيل الإلزامي للمنظمات، وتضع حداً لأي نشاط خارج الأطر الرسمية.
هذا التوجه لا يعكس تضييقاً بقدر ما يؤسس لبيئة أكثر شفافية، حيث يتم منح “التصريح الشامل” للمنظمات المستوفية للشروط، بما يتيح لها الحركة بين الولايات دون تعقيدات بيروقراطية. وبذلك، تتحول العلاقة بين الحكومة والمنظمات من علاقة اضطرارية إلى شراكة قائمة على المعايير المهنية والالتزام الأخلاقي.

نيالا: مركز إعادة تشغيل الميدان

في مدينة نيالا، تجلت ملامح هذه الرؤية على أرض الواقع، حيث قاد الصافي سلسلة لقاءات مكثفة مع ممثلي وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. لم تكن هذه اللقاءات بروتوكولية، بل انصبت على تفكيك العقبات التي طالما أعاقت تدفق المساعدات، وعلى رأسها تعدد نقاط التفتيش وبطء الإجراءات.
التعهد بإزالة هذه العراقيل يعكس تحولاً نحو تمكين العمل الميداني، حيث شدد الصافي على ضرورة انتقال المنظمات من المكاتب إلى المجتمعات المتضررة مباشرة. كما ربط التسهيلات المقدمة بمدى التزام المنظمات بمبادئ الحياد والشفافية، في محاولة لضمان عدالة التوزيع وعدم تسييس الإغاثة.

التصريح الشامل: حرية الحركة

مقابل الالتزام يمثل نظام “التصريح الشامل” أحد أبرز أدوات الإصلاح، إذ يمنح المنظمات حرية تنقل غير مسبوقة داخل مناطق حكومة السلام، مقابل الالتزام بالمعايير التنظيمية. هذا التوازن بين الحرية والرقابة يهدف إلى تسريع الاستجابة الإنسانية دون التفريط في ضبط الأداء.
كما التزمت الهيئة بضمان أمن وسلامة العاملين في المجال الإنساني، وتوفير الدعم اللوجستي اللازم، بما في ذلك تسهيل التصاريح وتأمين المسارات. هذه الضمانات تشكل بيئة جاذبة للمنظمات الدولية، وتعيد الثقة في قدرة المؤسسات المحلية على إدارة الملف بكفاءة.

الذراع التنفيذي في الميدان
على الأرض، تتجسد هذه السياسات عبر الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية (SARHO)، التي تعمل كذراع تنفيذي يترجم القرارات إلى واقع ملموس. في دارفور، حيث تتراكم الأزمات، قادت الوكالة عمليات توزيع واسعة للغذاء والدواء، خاصة في زالنجي والجنينة والفاشر، مع تركيز على مخيمات النازحين والمناطق الأكثر تضرراً. بينما في كردفان، عملت على تأمين قوافل الإغاثة عبر مسارات معقدة لضمان وصول الدعم إلى المجتمعات المحاصرة.
ولا يقتصر دور SARHO على التوزيع، بل يمتد إلى دعم الإنتاج المحلي، من خلال مبادرات تستهدف المزارعين بالبذور والأدوات، في محاولة لتقليل الاعتماد الكامل على المساعدات الخارجية.

التكامل المؤسسي: من التنسيق إلى المأسسة
يبرز التناغم بين الهيئة الوطنية للوصول الإنساني وSARHO كأحد أهم ملامح المرحلة الحالية، حيث لم يعد العمل الإنساني قائماً على جهود متفرقة، بل على منظومة متكاملة تجمع بين التخطيط المركزي والتنفيذ الميداني.
هذا التكامل أسهم في تسهيل مرور أكثر من 200 قافلة إغاثة، بحمولة تجاوزت 11 ألف طن من المواد الغذائية والطبية، وهو رقم يعكس تحسناً ملحوظاً في كفاءة الاستجابة رغم التحديات الأمنية واللوجستية.

دارفور وكردفان: بؤرة الكارثة الإنسانية
رغم هذه الجهود الحثيثة، ولكن يبقى الواقع الإنساني في دارفور وكردفان الأكثر قسوة على مستوى البلاد وبما يفوق طاقة الجهود المبذولة. فهنا يتقاطع رزح ما خلفته الحرب مع الانهيار الخدمي، لتنتج واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم. ملايين السكان أُجبروا على مغادرة منازلهم، ليواجهوا ظروفاً بالغة الصعوبة في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
في دارفور، تتجلى الأزمة في الاكتظاظ الحاد داخل المخيمات، ونقص المياه النظيفة، وتفشي الأمراض، بينما في كردفان، يفاقم الحصار وصعوبة الوصول من معاناة المجتمعات المحلية. هذه المناطق تمثل الثقل الأكبر للأزمة السودانية، ليس فقط من حيث الأعداد، بل من حيث عمق الاحتياجات وتعقيدها.
وتشير التقديرات إلى أن السودان يواجه أكبر أزمة نزوح عالمياً، مع نحو 14 مليون نازح داخلياً وعبر الحدود، ما يجعل الاستجابة الإنسانية تحدياً يتجاوز القدرات التقليدية ويتطلب تضامناً دولياً واسع النطاق.

الاستحقاق الإنساني: اختبار الإرادة الدولية..

في ظل هذا الواقع، تبرز مسألة العدالة في توزيع المساعدات كقضية محورية، خاصة بالنسبة لمواطني دارفور وكردفان الذين يتحملون العبء الأكبر من الكارثة. إن استحقاقهم للدعم لا ينبع فقط من حجم المعاناة، بل من كونهم في قلب الأزمة التي تهدد الاستقرار الإقليمي برمته.
جهود حكومة السلام، عبر الهيئة وSARHO، تمثل محاولة لإعادة توجيه البوصلة نحو هذه المناطق، وضمان وصول الإغاثة بشكل أكثر فاعلية. غير أن نجاح هذه الجهود يظل مرهوناً بمدى استجابة المجتمع الدولي، واستعداده للانتقال من بيانات القلق إلى خطوات عملية.

ختام
بين تعقيدات الميدان وضغوط السياسة، تتشكل ملامح مقاربة جديدة للعمل الإنساني في السودان، قوامها التنظيم والشراكة والمسؤولية. ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً، فإن ما تحقق حتى الآن يشير إلى إمكانية بناء نموذج أكثر كفاءة وعدالة. يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه الجهود إلى أثر مستدام، يخفف من معاناة الملايين ويعيد الأمل إلى مناطق أنهكتها الحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى