سوما المغربي تكتب: خطأ واشنطن الإستراتيجي: “غض الطرف” عن الجوار بحرب السودان
سوما المغربي
واشنطن تعيد قراءة المشهد متأخرة، بعد أن تركت لسنوات الحبل ممدوداً لجوار السودان شرقاً وشمالاً، تحركت اليوم بعد تكشف أن ذلك الفراغ هو ما غذّى كثيراً من تعقيدات حرب السودان. حيث تقارب بورتسودان مع أسمرة عبر القاهرة خطوة لم تعد تمر كما السابق، وأصبح محاولة لاحتواء نتائج سياسة سابقة سمحت بتمدّد نفوذ إقليمي بلا كوابح، شاركت فيه إريتريا خصوصا على نحو متداخل ومؤثر.
الإدارة الأمريكية تدرك اليوم أن غضّ الطرف عن أدوار أسمره في محيط السودان أسهم في خلق بيئة صلبة لإطالة أمد الصراع. فحين يقترب نظام البرهان من الاختناق، يجد متنفسه السياسي والعسكري عبر الجوار، الذي تحول إلى رافعة غير معلنة لاستمراره، بما يبقي على توازن هش يطيل عمر الحرب ويمنح التيار الإسلامي المهيمن على المنظومة العسكرية فرصة إعادة التموضع.
بهذا المعنى، لم تعد حرب السودان شأناً داخلياً بحتاً، بل نتيجة مباشرة لتشابك إقليمي سمحت به حسابات دولية خاطئة. فالتدخلات الإقليمية للجوار شكلت شبكة إسناد ساعدت على إبقاء جذوة الحرب مشتعلة، ومنحت النظام القائم أسباب البقاء رغم التآكل الداخلي.
وتشير معطيات المرحلة الراهنة إلى أن التحولات التي يفرضها النظام الدولي لن تستثني دول ساحل البحر الأحمر، خاصة تلك التي ارتبط اسمها بأدوار مباشرة أو غير مباشرة في تغذية بيئة الصراع ورعاية شبكات التطرف التي ازدهرت تحت مظلة بورتسودان. ويبدو اتجاه الولايات المتحدة لتكثيف التركيز على إريتريا ومصر و ربما الصومال تطوراً منطقياً ضمن مقاربتها الشاملة للحرب على الإرهاب، حيث لم يعد ممكناً فصل الدعم السياسي أو اللوجستي عن نتائجه الميدانية. فالصورة، في جوهرها، باتت أكثر وضوحاً، بوجود قنوات إسناد تسهم في إطالة عمر الأزمة عبر دعم نظام البرهان وتمكينه من الإستمرار. غير أن المفارقة اللافتة تكمن في أن هذه الدول، التي تضيق ذرعاً بوجود جماعات الإسلام السياسي داخل حدودها، تجد نفسها بشكل متناقض منخرطة في توفير بيئة داعمة لامتداد تلك الجماعات داخل السودان.
وفي قراءة أعمق لمجمل هذا المشهد، يتضح أن أزمة السودان لم تعد مرتبطة فقط بالدعم الخارجي أو توازنات الإقليم، بل بطبيعة البنية الداخلية للنظام ذاته. فالبرهان، حتى لو أراد المناورة، يظل محكوماً بشبكة معقدة من التحالفات داخل المؤسسة العسكرية، حيث تتغلغل التيارات الإسلامية في مفاصل القرار والقدرة على التأثير. هذه الحقيقة تجعل أي محاولة للفكاك من قبضة الإسلاميين أقرب إلى خيار نظري منه إلى إمكانية واقعية، إذ إن بقاءه السياسي بات مرهوناً بذات القوى التي تقيد حركته.
قراءة المشهد تقول أن واشنطن بدات التحرك بدافع تصحيح خطأ استراتيجي طال أمده؛ خطأ سمح لجوار السودان بأن يصبح جزءاً من المشكلة، لا جسراً للحل. وفي ظل هذا الواقع، يظل استمرار الحرب انعكاساً مباشراً لتلك المعادلة، حيث تتغذى الأزمة من خارج الحدود بقدر ما تشتعل من داخلها.
سوما المغربي
ابريل ٢٠٢٦



